العودة   :: منتديات مزيون قطر :: > المنتديات العامة > ::قسم القصص والروايات:: > ::قسم القصص الطويلة::

::قسم القصص الطويلة:: قصص- روايات - Novels - روايات طويله قصص عربية , قصص أطفال , قصص غرامية , قصة قصيرة , قصص الأنبياء , قصص واقعية , قصص من نسج الخيال , قصص موروثة , حكايات عربيه , قصص طريفة , قصص السيرة , قصص الأغبياء

التسجيل السريع مُتاح
عزيزي الزائر! سجلاتنا تفيد انك لست عضو لدينا في منتديات مزيون قطر,في حال رغبتم بالاِنضمام الى أسرتنا في منتديات مزيون قطر ينبغي عليكم ملء النموذج التالي!

اسم المستخدم: كلمة المرور: تأكيد كلمة المرور:
البريد الالكتروني: تأكيد البريد:
تاريخ الميلاد:      
سؤال عشوائي
  موافق على شروط المنتدى 

الإهداءات
من India s exile : Good morning from the heart of Ihbkm     من ستار بوكس : http://www.mzuonqtr.com/vb/t51443.html#post265493     من : يمر اليوم بعيوني ويمضي ليله ويسري ======== وانا مثل الكسير اللي سواد الليل بعيونه     من ~ مساء الخير أعضاء منتدى مزيون قطر ~ : الناس ماهمها ظروفك كودالذي يحزن لغمك.. وان شلت حملك على كتوفك بتموت محدترى.. يمك ..     من カタール : محد بحالي مـن سوايـاك داري اضحك واجامل والحشى منك مقهور .. ليه الوفا ما له بخاطرك طـاري يا محترف تجريح قلبي من شهـور     من : ( يعجبني فيك عنادك وغرورك ....... بس صدقني مااجيت العب انا ويااك) صبحكم الله بالخير     من ~ مساء الخير أعضاء منتدى مزيون قطر ~ : }مع غيري العب وبين له مهاراتك ... لو كنت مثلك بدون إحساس لاعبتك{     من قطـــــر : صبــاح الخيـر لاغـلى منتـدى     من قــــــــطـــــــــــر : صباح الخير     من ريامي الحلوه من كوكب الحلوين : يالله يا جماعه الخير تصبحون ع خير والسموحه ع القصور     من شينق شانق شونق : ههههههههههه ماي يابس شو ثلج اونه ؟؟ لا حشى مابااااا برد الحين << عيوز ماتقدر على البرد     من يااي ركيض وشااقح الطوفه : تبين ويااي مااي يااابس ؟؟؟     من شينق شانق شونق : ههههههههههههههههه.. لا بعد زين مركز عويناته ..     من لا مب لابسه عبااها : بس قميص وبنطلوون ازرق ولا شكله ماال اختها الصغيره لان قصير عليها .. بس اذا كااان دريولنا متي صبغ اشعره وبعدين دريولنا راااقد ورااها كرف بكره الصبح !!!     من شينق شانق شونق : هههههههههه مفسخه ولابسه عبااااة ااااوك بنمشيهااا .. واذا ابوها نفس لبس ادريولكم اكيد عيل دريولكم بكبره اللي شفته     من قااعد اطل علي بيت جيراانا : اصدقين جيراان جدد بس سطااايل اشووف ابنيتهم مفسخه مب لابسه عباااه ؟؟؟ وابووهم لابس مثل دريولنا ؟؟؟     من شينق شانق شونق : هههههه عيل زين يوم تعادلتوا دام انك فاضح امه .. كنت اتمنى قطر اتفووز ..     من قاااعد اتمشه عالطووفه : انا بخششت الحكم بس الخووف من حكم الراايه صاايد امه ادخن قدوو وفضحته خخخخ     من مراسلة شرشور .. : على حسب معلوماتي انك بخششت الحكم .. يعني على ما اظن قطر اللي فازت واضافت مصادر انه الحكم اذا ما فوزكم ياويله منك ..     من فوووق السطح : المرتبشه كم كم النتيجه ؟؟؟    

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-31-2008   رقم المشاركة : 11 (permalink)


« مؤسس الموقع »
 
الصورة الرمزية قــ مزيون ــطر








قــ مزيون ــطر غير متصل عرض ألبوم قــ مزيون ــطر

قــ مزيون ــطر will become famous soon enough

إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى قــ مزيون ــطر

وسام افضل صوره: اجمل تصوير المركز الاول - السبب:
افتراضي رد : قصة البحث عن الجذور

يعطيك العافيه اخوي

وفي انتظار باقي الاجزاء






التوقيع :





  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2008   رقم المشاركة : 12 (permalink)
مزيون سوبر
 
الصورة الرمزية عافك الخاطرaf







عافك الخاطرaf غير متصل عرض ألبوم عافك الخاطرaf

عافك الخاطرaf is on a distinguished road

افتراضي رد : قصة البحث عن الجذور

وفي اليوم التالي
، كنت أتنزه في الصباح بالقرب من المرفأ ، ثم أعود
سريعاً، خوفاً أن يتصل بي أحدهم ، ولكن لا رسائل ولا اتصالات ، فبدأت أتصفح الكتب التي أحضرتها من المركز الإسلامي ، لكني لم ألمس كتابهم المقدس أقصد ( القرآن الكريم )، في اليوم الثالث بدأت أشعر بالملل فخرجت إلى المقهى المجاور تناولت الإفطار ، وبدأت أتجول بالمدينة وتذكرت ( جانيت ) . كانت حزينة عندما ودعتها ونصحتني باستغلال الإجازة بالمتعة ومرافقتها بدلاً من الجري خلف ماض وأوهام . لا أدري هل أنا فعلاً أبحث عن سراب ، بدأت عزيمتي تخور وبدأت أفكر بالعودة إلى حياتي السابقة ونسيان أبي والإسلام . عدت إلى النزل عصراً وقبل أن أصعد إلى غرفتي ناداني موظف الإستقبال : هناك رسالة لك من السيد يحي اتصل به فور عودتك .
سارعت إلى مهاتفته متلهفاً " هل هناك أي خبر؟" رد عليّ بهدوء : إن مصطفى بن الشيخ محمد علي عنده بعض المعلومات عن أبيك ولا مانع عنده من أن تزوره هذه الليلة . أعطاني العنوان وتمنى لي التوفيق .
جلست أرقب الغروب من شرفة غرفتي ، حيث كانت انعكاسات الألوان رائعة ، سلاسل ذهبية تتماوج على سطح البحر ، وكان الهواء منعشاً ، ورغم أن المنظر كله يوحي بالبهجة إلا أني أشعر بانقباض بروحي وخوف من مواجهة الحقيقة ، هل سألتقيه أخيراً ، هل سيكون هناك نوع من الفرض والإلزام ، وإذا رفض رؤيتي والاعتراف بي ، هل سأحتمل ذلك ، وماذا لو رآني ، ماذا بعد ذلك ، هل سأستطيع إقناعه أنه أبي ، هل سنعود كأب وابن ؟ في تلك اللحظات تذكرت كلمة أمي القاسية " إنه ليس ابنك " لن يستطيع نسيانها أبداً ، لن يصفح عني وعنها أبداً. حان الموعد فاتجهت إلى منزل مصطفى ، قرعت الجرس ، فتحت لي فتاة سمراء لا يتجاوز عمرها ست سنوات ، ابتسمت لي وقالت : السلام عليكم ، ومدت يدها مصافحة ، أعجبتني جرأتها فصافحتها ، ظهر والدها وابتسم قائلاً : أهلاً سيد يوسف أم تفضل جوزيف ، هذه ابنتي سلام ، تحب الناس جداً وهي تحييك بتحية الإسلام ، وفسر لي معنى كلماتها لي ، ونحن نتجه نحو الصالة ، كان منزلاً متواضعاً ، ولا يخلو من لمسات شرقية أضافت عليه شيئاً من الأصالة .
- أريدك أن تعرف يا سيد جوزيف أني أنتمي لنفس البلد التي أتى منها والدك .
- حقاً .
- نعم ، فأبي صديق لأبيك منذ كانا بالوطن ، ثم التقيا بالمهجر ، ولكن فضل والدي الاستقرار ووالدك رحالة ، ولكن المهم قيل لي : إنك تبحث عنه ، هل لي أن أسألك لماذا ؟
تنهدت قبل أن أجيبه : في الحقيقة لا أدري بالضبط ، ولكن اريد أن تعرف على أبي أليس هذا من حقي ؟
- بلى من حقك ، ولكن أرجو ألا يكون السبب القضية التي كانت بينه وبين أمك منذ زمن طويل .
- إن والدتي توفيت وأنا ابحث عن أبي ليجيب عن تساؤلاتي ، لا أبحث عنه لأقاضيه على تركه إياي منذ الصغر .
- اعذرني يا سيد جوزيف ، أنا لا أريد أن ألحق الضرر بالعم أحمد ، فهو بمثابة والدي ؛ لذلك سألتك مجرد سؤال لأتأكد ليس إلا .
- أفهم من كلامك أنك على علاقة متينة بأبي ، فأين هو إذاً؟
قدم لي كأس العصير وهز رأسه قائلاً : في الحقيقة هناك بعض الرسائل عندي من أبيك كانت بالماضي تخص والدي وقد حضر جنازة أبي منذ سنتين ، وقد فهمت منه أنه اشترى قارباً صغيراً يتجول فيه من ميناء إلى ميناء ، أي ليس عنده عنوان دائم . ولكني فكرت أنه من الممكن الاستفادة من بعض العناوين القديمة المرسلة منه .
سأعطيك إياها . بالإضافة إلى وعد مني أنه إذا اتصل سأحاول أن أرشدك إلى مكانه ما دامت نيتك نحوه صافية . لقد تعذب العم أحمد كثيراً في حياته ولا أريد له مزيداً من العذاب.
ساد الصمت بيننا وبدأت أرشف قليلاً من العصير ، ثم خطر لي أن اسأل مصطفى : هل تعرف شيئاً عن عائلة أبي ؟
- طبعاً طبعاً ، فعائلة أبيك عائلة كبيرة وأصيلة في بلدنا ، وجدك كان شخصية وطنية بارزة ، ولكن الظروف شاءت أن يهاجر أبوك ويذوق مرارة الغربة ومرارة التشرد ، لا أريد أن أشرح لك الظروف ، فهي معقدة بعض الشيء وأعتقد أنك لن تتفهمها ، ولكن يكفي أن أقول لك : إن والدك ليس بالسيئ ولا بالشرير الذي تتصوره ، إنه شخص له عزة نفس ، واعتزاز بكونه مسلماً شرقياً من أصل نبيل ، ولكن شاءت الأقدار أن تمتحنه ، حاول أن تتفهم طبيعته لتعذره .
- شكراً لك يا سيد مصطفى ، سأعطيك عنوان منزلي فأرجو إذا وصلتك أية معلومات عن أبي أن تراسلني أو تهاتفني .
ناولني المظروف الذي يحوي رسائل والدي ، وصافحني مودعاً وشد على يدي وقال : آمل يا سيد جوزيف أن تصل يوماً لحقيقة ولدك وحقيقتك ، وأن تكون فخوراً بكونك يوسف أحمد الراوي وليس جوزيف الأمريكي .
مضت أشهر على زيارتي تلك لمصطفى وعودتي إلى المنزل ، قضيت أيامي بين الدراسة وبين مراسلة العناوين القديمة لأبي ولكن دون فائدة تذكر ، لا أحد يعلم عن والدي شيئاً ، فقدت الأمل تقريباً وبدأت أنسى الموضوع ، وأعود تدرجياً لحياتي السابقة ، ( لجوزيف الأمريكي كما يقولون ) والذي يقضي معظم أوقاته بين الكلية والأصدقاء . وعملت بعض الأعمال المتفرقة ، صحيح أن أمي تركت لي إرثاً ليس بالقليل ، ولكن نفقات الجامعة كانت مكلفة فلا بد لي من العمل لضمان مستقبل أفضل ، اجتزت السنة الثانية بتفوق ، وصممت أن أنهي دراستي سريعاً وبذلت مجهوداً مضاعفاً ، وخلا تلك الفترة بقي ( القرآن الكريم ) مهجوراً في زوايا مكتبي ، لم ألمسه ، لا أدري لماذا ، خوفاً منه أم ماذا ؟!
كان الأخ صلاح الدين يتصل بي من آن إلى آخر ، وكنت أشكر له اهتمامه ودعواته لي ، ولقد زرع في نفسي فكرة بدأت بتفيذها وهي دراسة اللغة العربية ، فالتحقت بصفوف الدراسات الشرقية في الجامعة بجانب دراستي للحقوق ، وبدأت أتعمق بالعربية بالذات وتاريخ الشرق وخصوصاً الشرق الأوسط من المكان الذي أتى منه أبي ، لا أدري لماذا ، شعور داخلي يدفعني أن أتواصل مع الماضي رغماً عن هروب ذلك الماضي مني .
مع مضي الوقت وتضاؤل الأمل ، وموت الرغبة بالعثور على أبي بدأت أفكر بالمستقبل .. وخصوصاً قد اقترب موعد تخرجي ، ماذا أريد أن أكون . رجلاً ناجحاً لامعاً ، متميزاً ، لماذا؟ هل أريد المال ، أم النفوذ والقوة ، أم أريد أن أثبت لأبي أنه مخطئاً بتركي ، وأني أصبحت رجلاً مهماً بدونه وبدون أصالة شرفه الذي يعتز به .
كانت قد مضت سنتان على لقائي بمصطفى ، عندما رن الهاتف في منزلي صباحاً ، وكان المتصل هو ، سألته : هل هناك من أخبار ؟ لقد فقدت الأمل . أجابني بهدوء: جوزيف ، إن والدك موجود في ميناء يبعد عنك ساعتين فقط .
- ماذا.. كيف عرفت ذلك ؟
- لقد اتصل بي اليوم ، فاليوم هو عيد الفطر للمسلمين ، اتصل يسأل عني ويبارك لي ، قال : إن محرك قاربه يحتاج لبعض الإصلاحات الضرورية ؛ لذلك سيمكث في ذلك الميناء بعضاً من الوقت .
- ألم تسأله لم انقطعت أخباره طوال هذه المدة ؟
- بلى .. قال لي : إنه كان دائم الترحال ولم يمكث في ميناء أكثر من يوم ، ولقد اعتذر لي ، المهم اتجه لتلك البلدة ستجده في المركز الإسلامي أو في الميناء ، قاربه اسمه يوسف .
- ماذا؟
- لا تعجب فذاك القارب أصبح ابنه وموطنه وكل شيء له .
شكرت مصطفى ، وما إن أنهيت المخابرة حتى سارعت إلى ترتيب أمتعتي واستقليت أول حافلة متجهة إلى هناك. وبدأت أفكاري تأخذني إلى هنا وهناك ، هل سيسمعني ؟ هل سيسمح لي أصلاً بالكلام معه ، وماذا سأقول له ؟ وكنت قد جلبت بعضاً من صوره مع أمي كإثبات له حتى يتسنى له تصديقي .
وصلت إلى البلدة عصراً ، ذهبت إلى المرسى فهناك يقين بداخلي أني سألقاه هناك ، مشيت على الرصيف أتأمل السفن الراسية وأبحث بلهفة عن اسمي ، نعم (يوسف) . أليس هذا اسمي ، أخيراً وجدته ، قديم بعض الشيء ، لونه أبيض ، خطت حروفه اسمه بالأزرق ، وقفت أتأمله وهو يعلو ويهبط بفعل الأمواج وقلبي يعلو ويهبط بفعل الانفعالات التي تنتابني .
قفزت على سطحه بجرأة ، وضعت أمتعتي وبدأت أنادي ، هل هناك أحد ، لم أسمع صوتاً ، ودخلت إلى حجرة القيادة لم أجد أحداً ، نزلت السلالم ، وجدت نفسي في غرفة صغيرة بها سرير ومنضدة خشبية ومكتب صغير تناثرت عليه الكتب .
اقتربت من المكتب وبدأت أبحث بالأوراق ، كان بعضها قواتير وبعضها الآخر صفحات خطت باللغة العربية التي بت خبيراً بعض الشيء بها ، كانت رسائل موجهة لأسرته ، سمعت خطوات على سطح المركب ، أحسست بالخوف والقلق والحيرة ، خليط من مشاعر غريبة انتابتني لا أستطيع تحديدها .
اتجهت نحو السطح ، ورأيته ، إنه هو ، كان يشبه صورته ولكن مع لحية لم تشذب ، والشيب غزا شعره ، وعيناه الداكنتان تلمعان بوميض خفي ، قال: من أنت؟ إنها أملاك خاصة ، كيف تجرأت على دخول المركب؟
-أنا يوسف ، أجبته بهدوء، يوسف أحمد الراوي.
ارتسمت ملامح المفاجأة على وجهه ، وردد الاسم مراراً ، ثم استدار بعنف مولياً ظهره لي وقال : ليس هناك من أحد يدعى بهذا الاسم !!
أجبته بإصرار ، لم لا ؟ هذا الاسم مكتوب على هذا القارب أليس كذلك ! استدار بغضب وقال : ماذا تريد ، بعثتك إيلين لتحاسبني بعد تلك السنين ! أم هي لعبة جديدة تريد بها أن تجرني للمحاكم ..
أجبته بهدوء : لا هذا ولا ذاك لقد أتيت بنفسي لأتعرف عليك هذا حقي .
-لست والدك وليس لك عندي حقوق .
-بأمر القانون أنت أبي شئت أم أبيت .
صاح غاضباً : لن يفرض علي القانون شيئاً ، لا أرغب فيه ، أتفهم ذلك ؟ والآن غادر المركب قبل أن ألقي بك إلى البحر .
جلست بهدوء متحدياً غضبه : لست شيئاً أنا إنسان ولي إرادتي كما لك رغباتك ، ولن أغادر قبل أن أحقق ما جئت من أجله .
-ماذا ؟ من تظن نفسك .
-لا شيء ، أنت قررت عني أني لا شيء في حياتك ، والآن جاء دوري لأحدد من أنت في حياتي ، ومن أنا في حياتك .
-اسمع ، لا وقت عندي لمثل هذه التفاهات.
-ألست تدعى أنك مسلم ، والمسلم مسؤول ، وأنت مسؤول عني ، ضيعتني عشرين عاماً ، والآن أريد أن أذكرك بمسؤوليتك.
-لست مسؤولاً عنك ، إيلين أمك هي المسؤولة ، عد إليها ، اسألها من هو أبوك وطالبه بحقوقك.
سكت ومشيت نحو السور ونظرت إلى البحر ثم قلت : إيلين رحلت عن دنيانا ، توفيت منذ ثلاث سنوات تفريباً ، ومن ذاك الوقت وأنا ابحث عنك ، لأجد حقيقتي من خلالك ، لم أجد نفسي مع إيلين رغم أنها احتضنتني طوال تلك المدة ؛ ولذلك قررت أن أبحث عن الشطر الآخر الذي أملكه ، فأنا جزء منك ومنها .
-أنا آسف لما حصل لإيلين لم أكن أعرف .
أجبته بحدة ، ومن أين لك أن تعرف ، أنت لا تعرف عني شيئاً البتة ، ولا عن الأيام التي قضيتها من دون أب يرعاني ويعمل على تنشئتي ، وأنا الذي كنت أبحث عنك في أحلامي .
صاح بي : اسكت ، اسكت أنت لا تعرف شيئاً عن العذاب الذي عشته طوال هذه السنين ، عن عذاب الزوج المخدوع، والأبوة التي سرقت مني في لحظات .
أحسست فعلاً أن كلينا معذبان ، وكلاً منا له أسبابه ، تنهدت واقتربت منه واضعاً يدي على كتفه ، ما رأيك أن نقوم برحلة بحرية معاً ، لمدة أسبوع فقط ، يتعرف كلانا على الآخر ، أصدقاء فقط ، أو حتى غرباء ، لن أطالبك بأن تكون أباً ، فلقد تعودت على غيابك ، أقصد غياب الأب عن حياتي . أريد أن أتعرف على ذلك الرجل الشرقي الذي تزوج أمي ثم رحل عنها .
لم يجبني ولكن بدت في عينيه نظرة ساهمة ، وكأنه يعيش في الماضي مرة أخرى ، الماضي الذي ذكراه تعذبنا معاً . نظر نحو البحر وخيل لي أنه يرى وجه أمي فيه ، حبه لها ، كرهه لها ، تجمعت في نفسه كل المشاعر في تلك اللحظة بالذات . صراع داخلي يحتدم بداخله ، وعذرته ، تفهمته ، مع أني رجل غربي خال من هذه العقد النفسية التي قالت عنها أمي ، لكن الرجل يبقى رجلاً ، أقصد مشاعر الرجل الحقيقي ، الذي يحمل قلباً صادقاً بين جوانبه ، وعزة نفسٍ ورجولة ، يبدو لي جلياً أني ورثت ذلك من نصفي الشرقي ، أنا واثق بل متأكد أن دمائي دماء شرقية ، وتأكدت الآن أكثر وأنا أتأمل أبي وأتفهم موقفه ، أخيراً قال : أنا موافق إكراماً لذكرى إيلين ، فأنت ما زلت ابنها ، ولا يعني هذا اعترافاً مني بك ، ولكن وفاءً لذكرى إنسانة رحلت عن دنيانا ، مع أنها لا تستحق الوفاء!
-ولكن لا تستطيع أن تتذكر أنها أحبتك ذات يوم .
هز كتفيه وقال : ما لفائدة ؟ الحب الحقيقي هو الذي يعيش مع الوفاء ، وهذا ما لم تفهمه هي ولا أعتقد أنك سوف تفهمه أنت .
-اسمع ، سنقضي الليلة هنا وسنبحر باتجاه الشمال غداً ، وإني أحذرك لن تكون الرحلة سهلة ، فالقارب ليس مزوداً بوسائل الراحة ، ولا يوجد الكثير من الطعام ، في أكثر الأحيان أعتمد على صيد السمك ، هززت شيئاً عن الإبحار ، رددت بحماسة : ليس الكثير ولكن أجيد السباحة والطهو .
-لا بأس إذن .
قضيت الليلة في الحجرة الصغيرة ، وكان أبي ممداً على السرير ، لا اعرف إن استطاع النوم أم سهر مثلي ، لم أجرؤ على محادثته خوفاً أن أغضبه فيغير رأيه بشأن الرحلة . قضيت ليلتي أفكر كيف سنتعايش في الأيام المقبلة ؟ هل سأستطيع فك حصاره ؟ هل سيكون الصمت ضيفنا الثالث دائماً . لا أدري ؟ غلبني النوم ، استيقظت على صوت المحرك .. وحركة القارب المفاجئة فقفزت إلى سطح المركب ، وجدت أبي وراء عجلة القيادة وقد اعتمر قبعة بيضاء اللون ووضع غليوناً في فمه .
-صباح الخير .
هز رأسه وقال : أعد الإفطار في الأسفل ستجد كل شيء ولا تنسى القهوة .
أعددت بعضاً من البيض المقلي والقهوة وصعدت إلى السطح مرة أخرى وناديته ، ألن تشاركني الفطور .
-بعد قليل .
-بدأت أتأمل ساحل المدينة الذي بدأ يختفي بالتدريج وبدأ نور الشمس يغمر المكان ، وكان الهواء بارداً منعشاً وصوت النورس يقطع الصمت بحدته ، بدأت أرشف قهوتي التي أنعشتني ، ورحت أتأمل وجه أبي ، كانت السنون قد حفرت آثارها على وجهه ، وبدا لي ما زال صلباً ووسيماً ، ولكن قسوة العيش تركت بصماتها عليه .
-هيه .. هل تحب الإبحار دائماً ، ألا تشعر بالحنين إلى الأرض .
أجابني باستهزاء : أي أرض ؟
-أرض الوطن .
-تقصد وطنك أنت !
-لا .. أقصد وطنك أنت .
نظر إلىّ نظرة طويلة وقال : وما الذي تعرفه أنت عن وطني .
-ليس من الضروري أن أعرف عنه شيئاً ، ولكن من الطبيعي أن يحن المرء إلى وطنه .
-ألم تذكر لك أمك شيئاً عني البتة ، ألم تقل : إني صعلوك ليس له وطن .
بلى .. لقد قالت لي إنك هارب من بلدك لسبب ما .. ولكن مضى وقت طويل .
أجابني بسخرية ، لا تتغير الأمور في وطني بسرعة ، فالتغيرات في العالم الثالث تحتاج إلى قرون ، لذلك لا أستطيع العودة بعد .
ساد الصمت بيننا مرة أخرى ، ناولته قهوته مع صحن الطعام ووقفت بجانبه وراء المقود .
-لم تسألني عن دراستي ، عن عملي ، ألست مهتماً ؟
-ولم أهتم ؟ هذه حياتك ولا شأن لي بها .
-من باب الفضول فقط .
-لم أكن يوماً بالفضولي ولا بالثرثار ، لقد تعودت الوحدة فأرجو ألا يضايقك صمتي .
-أفهم ذلك ، ولكن كنت أريد أن أبادلك الحديث حتى نتعرف على بعضنا أكثر .
سكت وأنا أشعر بالضيق ، وهممت بالعودة إلى السطح فتناول القهوة وقال : لا تغضب ، ما هي دراستك ؟
-الحقوق .
-جيد .
أجبته بحنق : ألن تسألني لماذا اخترت هذه الدراسة ؟
أجاب باستهزاء : إن المحامي يكسب نقوداً جيدة في أمريكا أليس كذلك ؟
-لم أدرس من أجل المال ، درست من أجل العدالة ، أني أؤمن بمبدأ العدالة .
-العدالة !!
-نعم .. منذ صغري أشعر أني أكره الظلم ، وأن العدل شيء مقدس فقررت أن أساعد في تحقيقها .
أجاب بغموض ، تحقق العدالة لمن ، وأين ، وكيف .
-لم يخطر في بالي الكم والكيف ، المهم أني سأحاول ، في كل مكان هناك ظلم ، هنا في أمريكا ، هناك في وطنك .
أطلق ضحكة في الهواء وقال : أبعد ما كنت أتصوره أنك خيالي ، ظننتك إنساناً واقعياً مثل الكثيرين هنا .
-قد أكون ورثت الخيال منك ، فالشرق مليء بالسحر والخيال ، أليس كذلك ؟
لم يجبني ، فسارعت إلى تغيير الموضوع وسألته عن وجهتنا .
-ليس لجهة محددة !
-ولكن القارب قديم ، لن يصمد طويلاً في عرض البحر .
ورد بعنف : إنه قديم ولكن محركه قوي ، سيسافر وسيصمد في أعتى الظروف . أوقف المحرك ، وبدأ يتناول إفطاره .
-ألن تحدثني عن الإسلام ؟
رفع حاجبيه دهشة ، أكملت مسرعاً : أقصد ألا تريد أن تعرف إن كنت قد أسلمت أم لا !
-لا ..لا أريد أن أعرف شيئاً عن قناعاتك .
-غريبة ، لقد أخبرني أخ مسلم أنكم معشر المسلمين تتمنون أن يهدي الله على أيديكم الناس .
أجاب بغموض : نعم .
-ألا تريد هذا الثواب العظيم ..
لم يجبني فأكملت : كان يخيل لي أحياناً أنك لو لم تتخل عني لكنت أسلمت .
سألني بحدة : وما دخل هذا بذاك .
-ألست أبي .. طبيعي أن أتأثر بك وأتبعك .
-لم تكن إيلين لتسمح لك .
-لم تكن أمي متحمسة للمسيحية كثيراً .
-ولم تحاول أن تفهم الإسلام أبداً .
-تلك أمي .. أنا مخلوق ثان قد أحاول وقد أنجح ، كانت أمامك فرصة ولكنك ضيعتها ..
لم يجب فأكملت بحدة : كنت طفلاً صغيراً كان من الممكن أن تربيه كما يحلو لك .. دفع المقعد غاضباً وقال : لا تبدأ بمحاكمتي الآن .
-معك حق لا يحق لي أن أحاكمك ، لا يحق لمخلوق محاكمة مخلوق ، سأترك حسابك لخالقك .
-يبدو أنك تملك معلومات وافية عن الحساب والعقاب ، فكرة عامة عن الإسلام .
-نعم منذ أن قررت أن أعرفك بدأت أدرس الدين الإسلامي واللغة العربية .
-وماذا وجدت ؟
أجبته بهدوء : قد يكون الإسلام عظيماً ولكنه غير واقعي .
-ماذا! رد علي بغضب ماذا تقصد ؟
-أنت مثلاً ، مسلم ولكنك بعيد عن تعاليم دينك .
نظر إلي بتمعن وقال : وأنى لك أن تعرف ذلك ، أنا أحافظ على كل فروضي .
-أنا قرأت أن الإسلام نظام كامل للحياة وليس فقط عبادات .
-بالتأكيد .
والمسلم مطلوب أن يكون عنصراً فعالاً في هذا العالم .
-طبعاً .
-ولكنك في هروب دائم ، أين دورك ؟
نظر إلى البحر .. ثم أردف : أحياناً اعتزال الناس يكون من حسن إسلام المرء .. أمامك الكثير لتتعلمه ، لم أجب ، فتابع قائلاً : هل قرأت القرآن .. هززت رأسي نافياً .
-إذن أنت لا تعرف عن الإسلام شيئاً .
ثم قام وأدار المحرك .. ومضيت إلى السطح أراقب البحر ورذاذه المتناثر حول المركب .
ناداني أبي : أحتاجك لتنظيف المركب .
-طبعاً سأساعدك ، بدأت أعمل وأنا أشعر أني لن أتواصل مع أبي أبداً سألته مبدياً عدم الاكتراث : احك لي عن جدك .
-ماذا تريد أن تعرف بالضبط ؟
-هل صحيح هو بطل وطني .
-نعم .. لقد حارب المستعمرين وقاد البلاد إلى الحرية .
-هل أنت فخور به .
-طبعاً .. أنا أعتز بكونه جدي وأنا من نسله .
-هل عندك أخوة ؟
-وما همك أنت ؟
-أبداً .. لا شيء محدد ، فقط كنت وحيداً طوال عمري ، وكنت أتمنى لو كان لدي أخوة ، فوددت أن أعرف هل عشت وحيداً مثلي ، أقصد عندما كنت في موطنك .
-عندي إخوة وعائلتي كبيرة بعض الشيء .
-وهل ما زال والدك على قيد الحياة ؟
نظر بعيداً وقال بعد تنهيدة : لا توفيا منذ فترة .
-ولم ترهما طوال فترة اغترابك ؟
-نعم لم أهما .
ساد الصمت بيننا ثقيلاً بعض الشيء ، ثم قلت : على الأقل توجد ذكريات لك معهما . وكـأنما شعر بالمعنى الخفي لكلامي ، فتركني وذهب إلى قمرة القيادة وحرك المحرك .. فنزلت إلى الحجرة وتمددت قليلاً ، وبدأت أرقب السماء من النافذة الصغيرة . وروادني حنين نحو العائلة " عائلتي ". لم أكن يوماً منتمياً لعائلة ما ، فأمي لا تربطها علاقات أسرية قوية مع عائلتها ، ولم أر أحداً منهم طوال حياتي . فقط أصدقاء يأتون ويرحلون . وماذا عن أبي ، عائلته كبيرة ، تمنيت لو أنتمي إليها ، يا ترى هل ستتقبلني هذه العائلة يوماً ما . هذه العائلة ذات الأصول العريقة ، المعتزة بجذورها ، هل ستقبل الصبي الذي أتى من بلاد الغرب ، ولكن المهم هل سيتقبلني هو أولاً ، أبي .. لا أدري ، غفوت وأنا أفكر بتلك الكلمة .. أبي . استيقظت وأنا لا أدري كم مضى من الوقت ، كانت الشمس توشك على المغيب ..ناديت : ألا تريد أن تتناول بعضاً من الطعام ؟
- نعم .. حضر لنا الغداء .
جهزت حساء معلباً وبعضاً من الفاصولياء المعلبة والخبز المحمص وصعدت إلى السطح ، أوقف المحرك ونزل لتناول الطعام معي، ثم قال : سيحين المغرب قريباً.
- هل سنتحرك ليلاً أيضاً
- لا سأرتاح عند الليل.
بدأنا نراقب أشعة الشمس المودعة وكانت بعض السحب تتجمع في السماء، نظرت إلى تجمع الغيوم وقلت: هل تتوقع عاصفة؟
نظر إلى السماء وقال نعم .. ستزداد سرعة الرياح بعد قليل ، هل أنت خائف؟
- لا لست خائفاً.
- سألني بإستهزاء: لماذا؟
- لإن الله معنا .
رد باستغراب: أنت تقول الله.
- نعم إني مؤمن بوجود الله .
- لا يكفي فقط إيمانك بوجوده.
- وووهل هناك معنى أعمق بأن تسلم بوجود الله .
نظر لي وقال : نعم أن تفعل ما يمليه عليك إيمانك . فالإيمان التزام .
- أن تصلي مثلاً.
- ليست الصلاة وحدها.. إنه إلتزام بالإسلام في كل نواحي الحياة . اسمع، لم لا تنتهز الفرصة وتقرأ القرآن بهذه الرحلة .. عندي نسخة باللغة الإنجليزية .
- نعم فكرة جيدة ولكن !
قاطعني: لا تدع كرهك لي يعوقك عن التفكير السليم أو عن تفهم الإسلام .
أجبته بصدق: لا استطيع أن أفصل بينكما .. اريد أن أصارحك، لقد ربتني أمي على كراهيتك ..قاطعني : إذن لم تبحث عني .
- دعني أكمل .. طوال حياتي كنت أنظر إليك كأسطورة.. وأنت تعلم أن الأسطورة خليط من الكراهية والحب .. ومشاعر متباينة برغم أن أمي كانت دائماً تردد أنك هربت من مسؤولياتك ، ولكن في لحظات قليلة كانت تتذكر حبك ووفاءك .. وفي هذه اللحظة كنت أشعر أنها نادمة على فقدها شيئاً عالياً .. قد يكون الحب الذي كان بينكما.. وفي عيد من الأعياد وجدتها تتأمل صورة لك قديمة وكان في عينيها دموع .. قد تكون دموع ندم ، حزن.. لا أدري .. المهم قبيل وفاتها اعترفت لي بإعتراف صغير.. جعلني أعذرك بعض الشيء ..
سألني بلهفة : ماهو اعترافها؟
- اعترفت لي أنها زرعت الشك في قلبك .
نهض مسرعاً: الشك.. إنه الجحيم بذاته .. لقد رمت بي إلى الجحيم طوال هذه السنين، لقد أفقدتني الثقة بكل شيء جميل.
نهضت وراءه قائلاً: لقد قدرت ذلك .. لذلك بحثت عنك .
رد ساخراً: لتعتذر لي بدلاً منها..
- بل لأحاول أن أقطع الشك باليقين .
أجاب بغضب : لقد تخلصت من هذا العذاب منذ زمن وعليك أن تتغلب عليه .. ما أن تعود إلى الساحل حتى يمضي كل منا في طريقه .. أنهى كلامه ونزل إلى الحجرة ، وبقيت وحيداً أطالع السماء بخوف وقلق.. حيث حل الظلام مكان النور.. وأخفت الغيوم النجوم.. وشعرت بيأس يطبق على صدري وخصوصاً عندما تأملت البحر الذي بدا هائجاً بعض الشيء .. مظلماً.. لا قرار له .. مثل حياة الإنسان لا أحد يعرف قراره ، لا أحد يختار حياته ولا يستطيع تحديد مصيره.
شعرت برذاذ المطر على وجهي .. وبدأت الأمواج تتلاعب بالقارب والهواء يعصف .. سمعت صوت الرعد .. رأيت خياله يسبقه وسمعته يصيح: ادخل ستبتل..
- وهل أنت قلق علي؟
- لا، ولكني لا أريد أن أعتني بمريض بذات الرئة أتفهم ؟
أنهمر المطر شديداً.. وشعت بالبلل.. فسارعت إلى النزول وخلعت ملابسي المبتلة وكان يراقبني .. سأدخل لأستحم بالماء الدافئ.
تمدد على السرير ولم يتفوه بكلمة.. أنهيت اغتسالي وتمددت على المقعد ولم أطفئ المصباح.
كان القارب يتأرجج بشكل مخيف .. والضوء يلقي خيالات كأنها أشباح تمر سريعة على الجدران .. لم يكن أبي نائماً، مؤكد أنه مستيقظ ولكن ما الذي يشغل باله .. ما الذي يدور في ذهنه .. ما كان لي أن أعرف .. ولم أشأ أن أقطع الصمت بيننا .. يكفي العاصفة التي تهدر خارجاً معبرة عما يدور في نفسينا معاً.
مضى يومان لم نتبادل فيهما أي حديث يذكر ، أشعر أن هناك شيئاً يدور في خلده منذ ليلة العاصفة.. شيء ما تغير بداخله.. أنا موقن بذلك .. ولكنه صامت.. لا يتكلم. قضيت معظم وقتي وأنا أقرأ القرآن الكريم ، لا أستطيع أن أنكر أني انجذبت لكلماته، وناقشت أبي في بعض المعاني وبدا لي أنه مثقف أكثر مما كان يبدو عليه .
سمعت صوته يناديني بعدما أطفأ المحرك، فأسرعت نحو قمرة القيادة ، كانت بيده خارطة وأشار إلى الساحل قائلاً سوف نصل بعد يومين إلى هنا .. ما رأيك أن نصطاد السمك اليوم .
- نعم لقد مللت من المعلبات المحفوظة .
جلسنا على السطح المقابل للبحر ورمى كل منا بشص الصيد في البحر .. كان الجو مشمساً والهواء عليلاً وشعرت بسعادة تغمرني.. إنها المرة التي أمارس فيها شيئاً من المرح مع الرجل الذي يفترض أن يكون أبي.. داعبت الابتسامة شفتي .. رفعت رأسي نحوه، وجدته يتأملني ثم قال لي : لقد ورثت عن أمك زرقة عينيها.. لقد كانت جميلة جداً.
- أشكرك .. هل لي أن أسألك سؤالاً خاصاً؟
نظر إلى البحر وقال : ماذا تريد أن تعرف؟
- هل أحببت أمي حقاً؟
تنهد وقال : نعم.. وهذا خطئي.. لقد ظننت أنها مختلفة.. أو أن ثقتي بأن حبي لها سيجعلها.. ليس مهماً الآن.
- ظننت أن حبك لها سيكفيها.
- كنت مغروراً ومغفلاً.. ودفعت الثمن علاوة على غربتي غالياً جداً.
- إن كنت ترى في عيني شبهاً بأمي ألا ترى أني أشبهك ببعض الوجوه.
- ما الذي سأجنيه من ذلك؟
- قد تكسب ولداً؟
- فات الأوان.. سوف أندم على عشرين سنة ملأى بالعذاب.. وبالشك.
- وماذا عني ؟ كم أنت أناني ألا تفكر إلا بعمرك الذي مضى ؟!.. وماذا عن عمري أنا ؟.. ألا تفكر بعذابي.. باحتياجي لك .. لعائلة .. للانتماء؟
أجابني بهدوء : ظننت أن إيلين وفرت كل شيء لك .. ألم تشعر بانتمائك ، ماذا دهاك يا ولد! أنت أمريكي ! حلم كل شاب في العالم .. ألا تعرف ذلك .. أنت حلم الجميع.
- ولكني لا أستمتع بما أملك من مميزات .. أليس هذا غريباً.. أشعر أن هناك شيئاً ينقصني ! نظر إليّ ملياً، ثم قال : هل هذا شعورك منذ زمن أم بدأت تحس به من قريب؟
- هل تريد الصراحة.. إنه شعور قديم في اخلي .. ولكنه تنامى بداخلي عندما بدأت بالبحث عنك.
- وماذا عن الإسلام .
نظرت إلى البحر ولم أجبه.
- اسمع يا "يوسف" لا تدع صورتي المشوهة بداخلك تحجبك عن الحقيقة .. حقيقة من الداخل .. إنك تعيش بحالة فراغ روحي .. والإسلام هو الحل لك ، ولكن لا تريد أن تعترف .. وذلك بسببي أليس كذلك!
شعرت أن كلامه يفسر لي كثيراً من الحيرة ، الألم الذي أشعر به .. صورته.. قناعاتي .. كل الأمور تداخلت في ذهني في تلك اللحظة.. ثم أحسست بالشصّ ينجذب من بين يدي.. فصحت : أظن أنها سمكة كبيرة.. بدأ يساعدني بجذب الصنارة، وأخيراً تغلبنا عليها .. كانت حقاً سمكة كبيرة،وكانت تصارع في سبيل الخلاص .. تأملتها وشعرت بشيء من الحزن في صدري .. مد يده إلى كتفي وقال : كن فخوراً بما أنجزت ولا تجعل الأشياء الصغيرة تعكر سعادتك.. سأعد لك الطعام بما أنك الصياد اليوم.
سرعان ما بدأت رائحة السمك تنتشر وأشعرتني بالجوع.. وحين حان الغداء كان جوّ من الألفة نشأ بيننا.. شربنا الشاي على السطح.. وأغمضت عيني وكأني أريد أن أسجل هذه اللحظة في ذاكرتي .
- يوسف يبدو لي أنك فتى عاقلاً.
ضحكت وقلت: ماذا تقصد؟
- هل كنت رياضياً؟
- نعم ، كنت ألعب كرة السلة .
- وماذا عن الفتيات.. أقصد أنه لا بد لك من صديقة في هذه البلاد هذا أمراً مستهجناً هنا..
- نعم ولكن هل تصدقني إذا أخبرتك أني لم أذق الكحول ولا المخدرات، لا أدري لماذا؟! أعتقد أني كنت متأثراً بكلام أمي عنك، فحاولت أن أجعلك قدوة لي في بعض الأشياء ، رغم أن هذا الشيء لا يهمك في كثير أو قليل.
ساد الصمت وشعرت بالدموع تلتمع في عينيه .. شعرت بالمأساة التي نعيشها معاً .. نقاوم ما بداخلنا.. نكابر لا نريد أن نستسلم لمشاعرنا .. غداً سنودع بعضنا بعضاً ونمضي كالغرباء .. نهض أبي وقال : أنه سيدير المحرك استعداداً للتحرك .. نظفت المكان.. ونزلت إلى الحجرة .. وشعرت بضيق شديد في صدري فلجأت إلى القرآن .. ثم خطر لي خاطر ، لقد رأيته يصلي مراراً وتكراراً لم لا أتعلم منه الصلاة ، قد يريحني ذلك..
خرجت إلى السطح وفاجأته بقولي : أريد منك أن تعلمني الصلاة.
- ماذا قلت "الصلاة"
أطفأ المحرك ونزل من قمرة القيادة والدهشة في عينيه .. ثم قال : كيف سأعلمك الصلاة وأنت لست مسلماً.. رددت عليه بسرعة: إذن سأسلم.
نظر إليّ بفرح وقال : حقاً .. هل أنت مقتنع بما تقول أم مجرد تأثير وقتي.
- لا .. لا.. فكرت جيداً وأريد فعلاً أن أسلم.
- لا تظن أن بإسلامك ستتأثر علاقتي بك.
أجبته بإصرار : وأنت لا تعتقد أني أسلمت من أجلك إني أسلمت لرب العالمين .. أمرني بالإغتسال ثم قال ردد ورائي " أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمداً عبده ورسوله"
رددت الكلمات ليس بلساني فقط بل بقلبي وروحي .. وسالت الدموع من عيني..وورأيته أيضاً يبكي.. لا أدري بكى سعادة أم تأثر من بكائي !! وبدأت أتعلم الصلاة .. وكانت أول صلاة لي هي صلاة المغرب، فوقفت بجانبه ورتل القرآن بصوت خاشع .. أحسست أني أسمو واسمو وأني أصبحت شعاعاً من نور.. وما إن أنتهينا حتى استدار وسألني : كيف كانت صلاتك ؟ .. أجبته بهدوء: عظيمة..
- أنت تعلم أن وجهتنا في الصلاة هي مكة المكرمة .
- نعم .. قرأت ذلك عند دراستي للإسلام.
- وهل ستحافظ على صلواتك الخمس عند عودتك إلى المنزل.
- بالطبع.. سأكون مسلماً قولاً وفعلاً.
- قال: إن شاء الله ، ثم أخرج من جيبه بوصلة وقال: إذن ستحتاج هذه لتحديد القبلة أينما كنت.
أخذتها منه وشكرته وتأملت البوصلة وشعرت أني أريد أن ألثمها، لأنها أول هدية لي من أبي .
عاد إلى قمرة القيادة وأدار المحرك وتركني غارقاً ف تأملاتي أنظر إلى السماء وحلكتها.. والنجوم وتلألئها.. قلت لنفسي: إني مؤمن منذ زمن، إن وراء عظمة هذا الكون خالقاً عظيماً واحداً.. وأعتقد أني وصلت إلى معرفته، قد لا أكون نجحت مع أبي ولكن نجحت مع نفسي .. فأنا أشعر الآن أني أقل حيرة .. وأكثر تماسكاً، وأني يوسف أكثر من جوزيف ، وهذا يسعدني كثيراً.
وصلنا إلى الميناء فقفزت إلى الأرض ورمى لي أبي بجبل غليظ لأربط القارب.. وأنزل المرساة ووقفت أتأمل قاربه وأفر هل هو حياته فعلاً! قلت له : ما رأيك أن أدعوك لوجبة طعام حقيقة ، ضحك ورد : ليس عندي مانع فأنا جائع.. ومشتاق إلى الطعام الحقيقي. تجولنا في الميناء وكانت بلدة صغيرة ووجدنا ضالتنا في مطعم صغير له إطلالة جميلة على البحر .. جلسنا نتناول غدائنا وقال لي : كيف ستعود إلى منزلك؟ هل عندك مال كاف.. أحسست بانقباض في صدري " هل يستعجل رحيلي"أجبته بهدوء: لا تخف سأتدبر أمري، خفض رأسه وتشاغل بالطعام .. سألته فجأة: هل عائلتك تعرف عني شيئاً؟ دهش من السؤال وقال: ماذا تقصد؟
- أقصد هل أخبرتهم عني .. اقصد مولدي .ز قاطعني: للأسف أخبرتهم عنك.. ولكن آخر معلوماتهم كانت أننا انفصلنا أنا وإيلين وأنك بقيت معها.
- هل يعني هذا أنهم لم يعرفوا بتخليك عني.
رد بغضب: طبعاً لا .. هل تريد أن أشهر بنفسي ، إن هذه الأمور غير مقبولة في الشرق إطلاقاً.
شعرت بالراحة " مازال هناك أمل".. أنهينا الوجبة ورحنا نتمشى قليلاً في الميناء ، سألني : ما هي خططك للمستقبل؟
- سأحاول أن أكمل دراستي وأعمل في السلك السياسي كالأمم المتحدة أو برامج حماية الأطفال كاليونسيف مثلاً.. أشعر بميل نحو هذه الأمور أكثر من ممارسة المحاماة.
- وهل تعتقد أنك ستنجح.
- رددت عليه بعزم: نعم بالتأكيد.
- لم أقصد النجاح الشخصي، اقصد تحقيق شيء يخدم الناس.
- ما دام هناك عزيمة سأنجح ، ومادام الله موجوداً فالأمل موجود.
استدار وحدق في عيني، وقال: رغم كل شيء أتمنى لك النجاح وأن تستمر في حياتك بعزيمة وإصرار.. وإن لم يجمعنا دم واحد فقد جمعنا رباط قوي.. الإسلام .. فأنت أخ لي في الدين ، وأتمنى لك الخير والتوفيق دائماً وابداً.
أحسست بالمرارة تنشب في حلقي ، كنت أود أن أسمع غير هذه الكلمات ، كنت آمل أن يقول : إني فخوراً بك يا بني.. ولكن ما باليد حيلة.
وصلنا إلى المركب .. فحزمت حقيبتي الصغيرة وخرجت إلى السطح لأجده واقفاً ينظر إلى الأفق.
- سأودعك الآن وشكراً لك على ضيافتك لي..
- لم يستدر ولكنه قال: حيني بتحية الإسلام ، قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ولا تنس الشهادة فهي التي تجمعنا.
رددت كلماته.. ونزلت إلى المرفأ والدموع تغرق في عيني وشعرت أن جرحه أعمق من أن يندمل، وأنه يعاقب نفسه قبل أن يعاقبني. مضت أشهر منذ عودتي.. ولم أسمع عن أبي أي خبر مع أني تركت له العنوان ورقم الهاتف، وبدأ الجميع حولي بالاستعداد لحفلة التخرج مع قرب نهاية العام.. تمنيت لو يحضرها ولكن.. ونسيت أن أخبركم أن أصدقائي لم يفاجؤوا بإسلامي ، وقد لخصت لي جانيت ذلك بكلمات "كنت حاضراً معنا بجسدك ولكن روحك كانت تواقة لشيء أكبر بكثير من واقعنا الذي نعيشه






  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2008   رقم المشاركة : 13 (permalink)
مزيون سوبر
 
الصورة الرمزية عافك الخاطرaf







عافك الخاطرaf غير متصل عرض ألبوم عافك الخاطرaf

عافك الخاطرaf is on a distinguished road

افتراضي رد : قصة البحث عن الجذور

اعذروني على التاخير
ما كان بيدي

العذر والسموحه






  رد مع اقتباس
قديم 04-01-2008   رقم المشاركة : 14 (permalink)
مزيون مميز
 
الصورة الرمزية جوجو








جوجو غير متصل عرض ألبوم جوجو

جوجو is on a distinguished road

افتراضي رد : قصة البحث عن الجذور

لاهنت على القصه اخوي






التوقيع :


مشكووور مزيون على هالتوقيع الحلوو..
  رد مع اقتباس
قديم 04-05-2008   رقم المشاركة : 15 (permalink)
مزيون سوبر
 
الصورة الرمزية عافك الخاطرaf







عافك الخاطرaf غير متصل عرض ألبوم عافك الخاطرaf

عافك الخاطرaf is on a distinguished road

افتراضي رد : قصة البحث عن الجذور

[font=Times New Roman]الجزاء الاخير من قصه جوزيف(يوسف)[/font]


وطوال هذه الأشهر لم أنقطع عن دراستي للغة العربية وقطعت شوطاً طويلاً فيها حتى إني بدأت أحفظ بعضاً من السور الكريمة، وأتبادل الحديث باللغة العربية مع بعض الطلاب العرب في الجامعة، وبدأت أتردد على المركز الإسلامي في البلدة، وتعرفت على مجموعة من الشباب والعرب والأجانب المسلمين، وأكثر ما كان يعجبني فيهم تضامنهم أكثر من مواطنيهم مع قضايا المسلمين في العالم رغم اغترابهم ، وكأن الغربة توحد بين قلوب المسلمين فيجتمعون ويتآلفون..
قررت أن أنتقل إلى مدينة أخرى .. لإكمال مشوار الدراسة فعرضت منزل منزل والدتي للبيع .. وجاءني مشتر بسعر مناسب .. ومع تباشير الصيف وانتهاء العام الدراسي أتممت صفقة البيع .. وفي آخر ليلة في مهد الطفولة ومدرج صباي كنت أجمع أوراقي في صندوق صغير فوقعت رسائل أبي القديمة وصوره مع أهله . فخطر لي خاطر لم لا أسافر إلى موطن أبي، هناك سأتعرف على عائلة لم تنكرني بعد! أبهجتني الفكرة مع أن بها الكثيرت من المجازفة.. فهم لا يعرفونني ولا أعرف كيف سيستقبلونني !! تأملت الرسائل جيداً وقرأت العناوين المدونة ، هناك عنوان ثابت لم يتغير ، إذن سأتجه نحو تلك المدينة وأقصد هذا العنوان.. حزمت أمري وتوكلت على الحي الذي لا يموت.
أقلعت الطائرة ، ونظرت من النافذة إلى الأرض .. إلى وطني الذي أغادره للمرة الأولى .. ثم نظرت إلى السماء وشعرت بقربي من الله فدعوته ورجوته أن ييسر لي أمري.. تلمست المصحف الصغير الذي كان في جيب قميصي وأحسست براحة نفسية.
سمعت جاري في المقعد يقول لي : هل هذه المرة الأولى التي تزور فيها البلاد؟ أجبته بنعم .. ثم بدأنا نتجاذب أطراف الحديث وعرفت أنه من موطن أبي وأنه طالب طب أنهى اختصاصه وهو سعيد بعودته إلى الوطن.. أخبرته أني في رحلة سياحية للمنطقة فتحمس وصار يصف لي بلاده أنها من أجمل البلاد، بها خيرات وفيرة .. وجوها رائع.. والعرب كرماء سيسعدهم استضافتي ، ثم أعطاني عنوانه حتى أتصل به إذا احتجت إلى أي شيء.. شكرته وتوسمت فيه الخير.

مضت ساعات الرحل الطويلة وأخيراً أعلن قائد الطائرة عن قرب وصولنا فنظرت إلى الأرض والتي احتضنت أجدادي .. إلى الأرض التي يفتخر أبي أنه منها ..إلى الأرض التي قد تكون موطناً لي وأنا لا أدري.
توجهت إلى فندق في وسط المدينة وكنت قد اشتريت بعض الكتيبات عن السياحة في هذه المدينة من المطار. كان الوقت ظهراً والشوارع تغص بالوجوه .. والشمس حارة بعض الشيء .. والضوضاء تملأ المكان.. كل شيء على خلاف المكان الذي أتيت منه ،فالشوارع هناك واسعة .. والهدوء يعم المكان .. وليس هناك هذا الكم الهائل من البشر..
عدت إلى غرفتي بعد أن تجولت في الشوارع القريبة من الفندق،وتناولت غدائي في واحد من المقاهي المنتشرة ..تمددت على السرير وفكرت ما الخطوة القادمة؟ هل سأتجه إلى العنوان المدون على رسالة أبي .. أخرجت الظرف من جيبي وتأملت الإسم.. خالد الراوي .. وأبي اسمه أحمد الراوي .. إذن قد يكون عمي .. أغمضت عيني وأنا عازم على زيارة العائلة في المساء.. ولن أستبق الأحداث.
وصلت أمام المنزل الذي أشار إليه سائق الأجرة قائلاً بلغة إنجليزية ركيكة هذا هو المكان المقصود، ناولني الظرف وناولته الأجرة.
وقفت أتأمل المكان .. كان قديماً بعض الشيء.. والأشجار الباسقة تبدو من خلف السور.. حزمت أمري وقرعت الباب سمعت صوتاً نسائياً يقول من الطارق..أجبت باللغة الإنجليزية ك هل السيد خالد الراوي هنا؟ ساد الصمت بعض الشيء ثم فتح الباب وأطل وجه رجل يشبه والدري بعض الشيء ولكنه أكثر سمرة وسألني بدهشة: أنا خالد ماذا تريد؟!..
- أنا يوسف ابن أخيك أحمد الراوي ، وصلت اليوم من أمريكا.
بانت الصدمة على وجهه ثم احتضنني بشدة وصار يقبلني ويبكي وينادي بإسمي .. ثم صاح بأعلى صوته يا أولاد لقد أتى ابن عمكم ، لقد أتى ابن الغالي إنه يوسف بن أحمد.
المحادثة بيني وبينه كانت باللغة الإنجليزية، ولكني فهمت كلامه باللغة العربية ، وترددت بالإعتراف أني أجيد اللغة العربية ودار بخلدي أن أحتفظ بسري الصغير حتى يتسنى لي معرفة ردود فعلهم .
ظهر وجه شاب تطل من عينيه نظرات الدهشة ومد يده مصافحاً.. حقاً يوسف .. ثم احتضنني وقبلني .. أنا إسمي أحمد على اسم والدك .. هل عرفتني .. ألم يحدثك عني عمي أحمد؟ قلت له : آسف لم يحثني عنكم والدي إلا قليلاً..
- تفضل.. تفضل يا بني.
دخلت مع عمي وابنه .. كانت الدار من طراز قديم بعض الشيء تتوسطها حديقة صغيرة وبعض المقاعد الصغيرة المتناثرة .. أشار إلي عمي بالجلوس على إحداها .. ثم جاءت امرأة تغطي شعرها بخمار أسود ومددت يدي مصافحاً .. ففوجئت بصوت سلمى غاضياً : أنت لا تعرف عن عاداتنا شيئاً، نحن لا نصافح الغرباء.. فنهرها عمي قائلاً : إن يوسف ابن عمك .. وهو ضيف وليس غريباً سيتعلم مع الزمن.
- إنها قناعات نؤمن بها ولا نتعلمها مع الزمن .. وأشاحت بوجهها بعيداً.
فهمت ما دار بينهما من حديث ولكني لم أظهر ذلك.. قلت: متأسف يا أنسة سلمى ، يبدو أنني أزعجتك ظننت أننا إخوة .
- ذاك في أمريكا .. هنا نحن غرباء.
- ماذا تقصدين ؟
- أقصد صحيح أنت ابن عمي ولكنك رجل غريب عني.
قاطعها أحمد قائلاً: سلمى أرجوك.. لا مناقشات الآن.. والتفت إلي قائلاً: يوسف اعذرها فهي عنيدة ، قل لنا: ما هي أخبارك؟ كيف ومتى وصلت إلى هنا؟
- لقد وصلت اليوم.. وأنا سعيداً بلقائكم.
سألتني زوجة عمي بحنو ظاهر: أين تقيم يا بني؟
- في الفندق.
- لا لا .. يجب أن تقيم معنا.. أنت ابننا أليس كذلك يا خالد.
رد عمي موافقاً: طبعاً طبعاً..اليوم ستجلب أمتعتك وسيساعدك أحمد.
ردت سلمى : أمي ، أبي ، أرجوكما دعوه فهو سائح.
رد عمي غاضباً : سلمى أرجوك..سيأتي سويف وسيتعرف على جميع أفراد العائلة .. وستحتفل بعودته إلى بلده سالماً.
ردت بسخرية:بلده..هذا ليس وطنه.. أنيستم أنه أمريكي.. أتى لمجرد المشاهدة.
صاح عمي غاضباً : كفى عن المشاكسة يا سلمى.
قلت بهدوء: دعها ياعمي.. معها حق ..فأنا غريب قد أحمل نفس اسم العائلة ولكني غريب الأم..غريب الديار ..وغريب العادات، هذا ما تقصده الآنسة سلمى أليس كذلك؟
أحمر وجهها وقالت: آسفة لم أقصد أن أكون قاسية ولكني فهمت من رسائل عمي أنك لم تعش معه أو حتى تتواصل معه.
أجبتها بهدوء: إذا كان ذلك يريحك فنعم لم أعش مع أبي ولم أتصل به إلا متأخراً ، ولكن هناك ظروف يصعب شرحها ، وأضيفي لمعلوماتك شيئاً قد يحسن صورتي أمامك أنا مسلم..وعن قناعة وليس وراثة من عمك.
بدت الدهشة على وجهها وقالت: حقاً!
قال عمي باعتزاز: الحمد لله يا بني فقد كنا دائماً نحذر والدك من تأثير والدتك..أقصد..أنا آسف كنا نخاف على دينك.
- أفهم قصدك تماماً يا عمي .. الحمد لله لقد اهتديت للحق بفضل الله وحده.
نهضت زوجة عمي وقالت : هيا يا سلمى نحضر العشاء وأنت يا أحمد اتصل ببقية العائلة وقل لهم : العشاء اليوم هنا بمناسبة رجوع ابن الغالي.
جلسنا نتجاذب الأحاديث وكثيراً ما كان أحمد يترجم لوالده ما كنت أقول، وسألت أحمد عن دراسته؟
- إني أدرس علم الحاسب.
- جيد فهو لغة العصر.
- وماذا عنك أنت؟
- لقد أنهيت دراسة الحقوق..وسأحضر لنيل الدراسات العليا.
- أي أنك ستعود قريباً لأمريكا.
- طبعاً.
- كم ستمضي من الوقت في زيارة الوطن؟
- لم أفكر بعد بالوقت ، ولكني أود لو أزور كل الأماكن الأثرية والشوارع القديمة، بالإضافة لتقوية صلاتي بالأهل.
ضحك عمي وقال : مازلت تشعر أنك سائح.
- نعم ولكن أود التعرف على وطني .
قالت سلمى وهي تضع الأطباق على المائدة : لن تتعرف على وطنك من التجوال بأنحائه ومشاهدة المتحف، المهم أن تعيش فيه وتتعايش مع أهله وناسه..تدرس تاريخه وتخطط لمستقبله، هكذا يكون وطنك حقاً.
هززت رأسي موافقاً وقلت له : تملكين منطقاً جيداً يا آنسة سلمى.
رد أحمد : إنها فيلسوفة المنزل .
ردت عليه بغيظ: لم يسألك أحد عن رأيك بي.
- ماذا تدرسين يا آنسة سلمى؟
ردت باعتزاز: أنا في السنة الثالثة من اللغة الإنجليزية.
- هذا يفسر لغتك الجيدة.
أحمر وجهها وقالت : حقاً .. هل لغتي جيدة .
- نعم أنا أفهمك بوضوح حتى الآن.
قال أحمد ضاحكاً: لا تزدها غروراً..فرمته سلمى بوسادة فضحكنا جميعاً وشعرت بترابطهم وحبهم الأسري.
قرع الباب وسارع أحمد لفتحه، ودخل كهل مربوع القامة وأسرع نحوي قائلاً : يوسف حبيبي واحتضنني وشرع يبكي..
قال لي أحمد : إنه العم نبيل.. أخو والدك الكبير.
قبلته وقلت: كيف حالك يا عم نبيل؟
رد أحمد: إنه لا يتكلم الإنجليزية، سأقوم بدور المترجم : عمي إن يوسف يسأل عن حالك .
- قل له : أنا بخير منذ رأيته، لم أحلم يوماً بعودة أبيه كي أحلم بعودته هو.
مضى الوقت سريعاً بنا .. وكم هائل من الزوار أتى ، عمتي وأولادها. أولاد عمي، أولاد عمومة أبي .. امتلأت الحديقة والجميع متحلق حولي يتأملني وكأنني كائن من الفضاء وأسمع تعليقاتهم الخفية فأبسم ، " عمتي تقول إنني أشبه والدي جداً".
" عمي يقول: الحمد لله لم يضع يوسف في أمريكا".
أولاد عمتي يتكلمون عن أمريكا ويسألون عنها بانبهار.. الجميع يتحدث ويضحك..يتناولون الطعام .. خليط عجيب من البشر، بهم دفء وعاطفة لم أر مثيلاً له من قبل ، إذا جاءت سيرة أبي تدمع العيون.. وإذا تكلموا عني ابتسموا.. مشاعر صادقة .. عواطف مميزة..شيء مختلف عما تعودته .. حرارة تذيب الجليد الذي عشته من قبل ، وصرت أردد بيني وبين نفسي : سامحك الله يا أبي حرمتني من كل هذا الحب.
أنتهت الوليمة .. وزعت سلمى الشاي.. جلس الجميع على هيئة حلقة أنا أتوسطها مع عمي نبيل وعمي خالد وعمتي سهيلة التي لم تفارقني منذ أتت، بدأ الجميع أسئلتهم عن أمريكا وعن العيش هناك .. والنظام والهدوء والتقدم ويتحسرون على تخلف بلادهم .. سألني أحدهم : هل أعجبتك بلادنا؟ رد أحمد باستهزاء : دعه غداً يرى الشوارع والازدحام وسيجيبك بعد ذلك؟
- أنا سعيد بوجودي معكم ، ليست الأماكن تسعد الإنسان، المهم القلوب التي يعيش معها.. وأنا أشعر بالفخر أني أنتمي لكم وأني مسلم وأنتم جميعاً مسلمون، فمنذ بدأت أشعر بالغربة في أمريكا مع أنها موطنين، نظرت إلى عيني سلمى التي كانت تناولني الشاي فأشاحت بنظرها عني وكأنها شعرت أني أوجه الحديث إليها رداً على تهجمها علي بشكل سافر منذ رأتني.
دامت السهرة حتى منتصف الليل ثم أعلن عمي خالد أنني يجب أن ارتاح .. ,انه سيتم بالغد تخطيط برنامج لإجازتي بمشاركة الجميع ، ثم التفت إلي وقال : هل ستمانع.. ابتسمت وقلت : لا بالطبع لا وشكراً لكم جميعاً.
انصرف الجميع ، ولم يبق أحد غيري وأحمد في الحديقة ، سمعت عمي يقول لزوجته :
جهزي غرفة الضيوف ليوسف سينام عندنا الليلة .
فردت سلمى : أبي نحن لا نعرفه جيداً.
- ماذا تقصدين ؟ إنه ابن أخي.
- نعم ولكنه ما زال أمريكي العادات والتقاليد، سنشعر بالحرج وهو بيننا.
سمعت صوت عمي غاضباً :لقد تجاوزت حدودك يا سلمى.
ردت عليه زوجته قائلة : لم تقصد سلمى إساءة ، إنها قصد أن يوسف معتاد على نوع من الحرية الشخصية وقد نقيده نحن بعادتنا وتقاليدنا.
سكت عمي وقال: لا لا هو مسلم وسيلازمه أحمد ويفهمه كل شيء عنا ، وإن كانت سلمى ستشعر بالإحراج فغرفتها بالطابق الثاني وسنفهمه بلطف أن يلازم الطابق السفلي دائماً. شعرت بالراحة لإصرار عمي على استضافتي فقد يعوضني ذلك عن احتياجي الدائم لحنان الأب واهتمامه .. ولكن ما زال صوت سلمى في أذني " إنه غريب" إنها تشبه أبي .. تتكلم بلسانه .. تعزف على نفس أوتاره .. تنبش الجرح الذي يعشش في أعماق نفسي " يبدو لي يا سلمى أنك أذكاهم .. فهمت رسائل عمك دون أن يشرح .. أحسست أني لست ابن عمك وأني لن أنتمي لكم أبداً".مضت عدة أيام على زيارتي للمدينة . تجولت في أرجائها وصليت في مساجدها .. وكنت أشعر بالسعادة وأنا أطوف بالشوارع والأسواق القديمة ، سألني أحمد: ما الذي يعجبك بالآثار والقدم مع أنك أتيت من بلد التقدم .. فقاطعته : أحمد إن أمريكا برغم تقدمها لم تستطع أن تخلق ماضياً عريقاً لها .. ليس لها جذور حضارية .. بل قشور صنعتها التكنولوجيا الحديثة..
أما هنا فعبق القدم ينبض بالحضارة الأصيلة ، هنا الإنسان بدأ من الصفر .. وارتقت البشرية .. كل شبر من أرضكم يتكلم عن بطولات وأمجاد سالفة .. ثم أتى الإسلام ليتوجكم خير أمة أخرجت للناس، وهذا مبعث فخري، لقد اختبرت الحضارتين وبدأت أشعر باهتزاز الثقة بحضارة الغرب رغم أني ولدت هناك ونشأت .. ولكن ليس هناك روح ، روح الأشياء أهم من جمودها .. أفهمت قصدي يا أحمد.
- أظن ذلك ولكن في بلادكم مساحة من الحرية لا توجد في أي بلد ثان..
- يجوز، ولكن أيضاً تمادينا كثيراً باستخدامنا لمفهوم الحرية ، فالجميع ينغمس بملذات ومحرمات تحت شعار أنه يمارس حريته الشخصية ، فشاعت الفوضى في المجتمع .. وانهارت قيم ومبادئ كثيرة لذا الحرية يجب أن تحدها ضوابط ولا تكون مطلقة أبداً.
- نعم ، نعم أعتقد هذا .
سمعت صوت المؤذن ، فوقفت أمام المسجد ورددت الأذان ثم قلت لأحمد: أريد أن أصلي بهذا المسجد.
رد علي: أتعلم أنه مسجد جدنا "يوسف الراوي" إن اسمه على اسمك ، وهذا الشارع يحمل نفس الاسم .. كان جدنا يخطب هنا ويصلي دائماً بالناس .
- سبحان الله ي تاريخكم يبدأ التأسيس من المساجد ، فجدنا كان إماماً ثم أصبح بطلاً وقائداً قومياً.
- نعم أعتقد أن المسجد ليس مكان عبادة فقط مثل الكنيسة بل هو مكان تجمع يوصل الفرد مع الجماعة ويوحد النية والهدف.
- نعم، نعم يا أحمد أحسنت إنه بالفعل هكذا .. هلم بنا نصلي بمسجد جدنا عل حماسه يسري فينا نحن أحفاده..
طوال فترة إقامتي كانت سلمى تتحاشى وتنظر ى تتحاشى وتنظر لي نظرات شك تؤلمني .. كان بودي أن اصرخ بها كفى إن شكوكك تنغص حياتي ..تذكرني بمأساتي .. بأبي.
كان القمر بدراً في تلك الليلة ينشر وشاحه الفضي في الكون وكانت نسائم الليل منعشة .. وكنت في حديقة الدار وحيداً لأن الجميع أخلدوا إلى النوم لاعتزامهم الرحيل إلى الريف في الصباح الباكر .. ملأت صدري برائحة الياسمين التي تعبق بالجو وتنشر البهجة والجمال ، رفعت رأسي عالياً فرأيت سلمى تسلل من غرفتها وتتجه نحو سطح الدار ، يبدو أنها تريد السهر في تلك الليلة الساحرة .. تسللت إلى الأعلى بهدوء ، وصعدت وراءها .. رأيتها تجلس مستكينة على مقعد خشبي صغير .. تتأمل السماء ..لاحظت لأول مرة أنها لا ترتدي وشاحها .. وكان شعرها طويلاً مجدولاً على هيئة ضفيرة.. وكانت يداها تعبثان به .. ثم فكت ضفيرتها وهزت رأسها فانسدل كشلال ليل أسود لا نهاية له.. وصار الهواء يداعبه برقة.. أحسست فجأة بجمالها .. بطهارتها.. بنقائها .. لم تقع عينا رجل على جمالها .. لم يلمس أحد شعرها .. كم يحق لها أن تفخر بنفسها.. إنها كالدرة النفيسة .. محفوظة لرجل واحد محظوظ. حسدته ذاك المحظوظ الذي سيمتلك ذاك الجمال وذلك القلب. قفلت راجعاً لغرفتي بهدوء ، ودهشت من مشاعري هذه ، لقد اعتدت النساء وصحبتهن .. ولكن تلك السمراء هي أجمل ما رأيت وأكثر ما تمنيت .
سمعت صوت أقدامها وهي تنزل فهمست لها : سلمى.. استدارت فزعة وقالت: ما الذي تفعله ؟
- لم أستطع النوم .. ورأيت خيالك ففكرت لو أسهر معك.
نزلت وكانت قد ارتدت وشاحها سألتني : ماذا تريد يا يوسف ، لم أنت مستيقظ؟
- لا أدري ، الجو رائع .. والقمر .. وسحر الشوق يحيط بالمكان فلم أستطع النوم.
ضحكت وقالت : أنت شاعر.
- لا ليس بالتحديد.. ولكن أحياناً أحب أن أكون شاعراً، اجلسي معي قليلاً
تلفتت يمنة ويسرة ثم قالت: أين أحمد؟
- إنه نائم هل يضايقك جلوسنا في الحديقة وحدنا.
- لست معتادة على الجلوس مع الأغراب.
- أنا ابن عمك.
هزت كتفيها وقالت ولو .. ما زلت غريباً.
- لم تعامليني بجفاء .
- جلست على حافة السلالم وقالت: لم تشعر بذلك؟
- لا أشعر إنه واقع.
- هل تريد الصراحة .. إني أشعر أن هناك شيئاً ما تخفيه..
سحبت مقعداً وجلست مقابلاً لها وقلت : ما الذي أخفيه؟ هل أضمر شراً لكم؟ماذا أريد منكم؟
- لا ، لا أقصد ولكن عمي لم يذكرك برسائله أبداً وكأنما تعمد إخفائك عنا ثم ظهرت فجأة مطالباً أيانا باالاعتراف بك كفرد من العائلة .. لا أدري ثمة خطأ ما .. نظرت إليها نظرة طويلة قبل أن أقول : فعلاً أنت ذكية .. نعم هناك شيء ما .. ولكن هل أصدقك القول على أن تعاهديني أن تكتمي سري وتحاولي أن تتفهمي دوافعي.
- ساد الصمت بيننا ثم أجابت : هذا يتوقف على ما تقوله.
تنفست بعمق ثم نظرت طويلاً إلى القمر قائلاً: انظري إلى البدر هل هو جميل؟
رفعت عينيها وقالت : أكثر من رائع.
- ولكنه في الحقيقة كوكب معتم مجرد حجارة ولكن نور الشمس أكسبه جماله وروعته أليس كذلك !
- ماذا تقصد ؟
- قد لاأكون ابن عمك ولكن نور الاسلام قربني منكم .
- لا أفهم .
- أقصد إن أبي الذي هو عمك تبرأ مني، تنكر من أبوته لي طوال عمري كنت أحقد عليه لأجل ذلك إلى أن اعترفت أمي بأنها السبب المباشر الذي جعل أبي يتخلى عنا ، هي التي جعلته يهرب بزراعة الشك بداخله نحوي فتخلى عني، ثم بحثت عنه والتقيته .حاولت التقرب منه ولكني فشلت ، ولكن ما أسعدني أنه لم يستطع نكراني أمامكم ، فوجدت أنها فرصة لي لأجد عائلة حتى ولو كان وهماً لأيام فقط .. نظرت نحو سلمى فوجدتها تنظر لي بدهشة، فقلت لها : ما بك هل صدمتك الحقيقة ؟ نهضت مسرعة وهي تقول : تقصد أنك لست ابن أحمد الراوي .
- لا لم أقل ذلك ، قلت لك هو يعتقد ذلك .. ردت بغضب: وما الفارق؟
- الفرق أني ابنه ولكنه لا يريد الاعتراف حتى لا يحمل نفسه ذنب هجري.. أنا متأكد أني ابنه .. أقسم لك .. أشعر بالانتماء لكم.
هزت رأسها وهي تقول : لا أصدق .. ماذا ستفعل العائلة كلها.
- لا أرجوك يا سلمى لا تدمري الجو الرائع الذي أعيشه ، لا تخبري أحداً بهذا السر سيقع الأذى على الكثيرين وأولهم عمك أحمد الذي أخفى سره عنكم .. لا تفضحيه أنت.
- وماذا عن إسلامك .. هل هو تمثيل أيضاً لكي نتعاطف معك أكثر.
- لا ، لا إسلامي شيء مختلف .. فأنا أسلمت عن قناعة تامة وأصلي عن إيمان صدقيني .. لا تشكي بهذا ابداً.
استدارت وقالت : على كل هذا بينك وبين الله عز وجل لا يهمني في شيء .. المهم موضوعك الأول.
- أفهم من ذلك أنك ستخبرينهم.
- هل عرف عمي أنك ستزورنا.
- لا بالطبع لا
- هل تعتقد إذا عرف سيخبرنا بالحقيقة حتى لا نستقبلك بيننا.
- سلمى ، أرجوك ، انظري للموضوع بنرة منطقية وليست عاطفية، أنا أملك كل شيء المال ، الشهادة ، مستقبلي في أمريكا .. ما الذي يدفعني للبحث عن جذوري ، عن ماض يعتبره الكثيرون نوعاً من التخلف في زمن يتسابق الناس به إلى الأمام ، إلى الحضارة ، نعم لقد أتيتكم من قمة الحضارة المادية .. لم ؟ هل فكرت بذلك لثوان؟ من أجل المال لا يوجد الكثير هنا ! من أجل جاه! لن يفيدني ذلك ذلك بأمريكا ، فاسم عائلتي لا يعني شيئاً البتة.. فكري ما هي دوافعي ؟
- نظرت إلي وقالت : فعلاً ما هي دوافعك ؟ شعرت بحنين تجاهها وقاومت شعوراً داخلياً يدفعني إليها .. للغرق في ليل عينيها .. في البراءة المرسومة على تقاطيع وجهها ، ثم تنهدت وقلت : الانتماء .. حنين الدائم للعائلة ، خفضت عينيها وقالت يوسف، لو لم تجمعنا روابط الدم فأنت أخ لي بالإسلام .. لن أجرح مشاعر عمي .. سأحفظ سرك .. وأحاول أن أتفهم دوافعك.
- أشكرك يا سلمى.. توجهت نحو الدرجة : سلمى .. استدارت وقالت : نعم يا يوسف ..
- أنت جميلة جداً من الخارج والداخل هل تعرفين ؟
استدارت بسرعة ولم ترد علي.
في اليوم التالي كنا جميعاً في مزرعة في قلب الريف .. كان الجو رائعاً والضحكات تملأ الأرجاء .. والأطفال يتراكضون في كل مكان .. كان شعوري بالجميع جميلاً.. فكنت اتأملهم وكأنني أنحت صورهم في داخلي .. حتى لا يغادروا قلبي جميعاً.
لمحت سلمى تنسل بعيداً عن المجموعة.. فتبعتها بهدوء.. جلست بقرب ينبوع من الماء وبدأت برمي بعض الوريقات الجافة في الماء، خلعت حذائي واقتربت من الماء بهدوء ثم قفزت في الماء .. فاستدارت فزعة وقالت : يوسف ماذا تفعل الماء بارد .. أجبتها ضاحكاً :
- إنه منعش..
- هل أنت نعتاد أن تفعل ما يخطر في بالك فجأة.
- تقصدين أفعل ما يحلو لي .
- نعم..
- وهل هناك أجمل من أن يحقق المرء أمانيه .
- وهل تحققت أمانيك يا يوسف؟
خرجت من الماء واستلقيت على العشب وأغمضت عيني : نعم .. أعظم أماني .. أشعر بالأمان .. أشعر بالقرب من الله .. أشعر بكم كأهل .. أشعر بوطني .. تنهدت ونظرت إلى الماء وقالت : ولكن لم تر سوى الصورة المشرقة عنا .. أقصد أنت لم تعرف معاناة الناس هنا .. الجهل .. الفقر.. وحتى قلة الإيمان .. فتحت عيني ببطء وأنا أنظر لها : ولكن ما دام هناك أمثالكم فلا بد أن تتحسن الأوضاع .
- وهل نحن مميزون برأيك ؟
نظرت لعينيها مباشرة وقلت : ألا تشعرين بتميزك يا سلمى ؟
احمر وجهها وأدارت وجهها .. أنا .. أنا فتاة عادية جداً مثلي آلاف.
- هذا هو المطلوب .. التزامك . . طيبتك .. حياؤك .. جرأتك بالحق .. إذا كان هناك آلاف مثلك فحال المسلمين سيتحسن .
- كيف لا أفهمك .
- يوماً ما ستصبحين أماً .. ستربين أطفالك على العقيدة .. على الإخلاص .ز ستضربين لهم مثلاً بجدنا.. وهكذا سيعود المجد لأمة المسلمين على يد جيل جديد أنت من مؤسسية .
- أنت تحلم .
- بالعكس أنا واقعي جداً .. فالمرأة هي الأساس .
ساد الصمت للحظات ثم قلت : سلمى ألم تفكري بالارتباط بأحدهم ؟
احمر وجهها وأجابت : لا .. تقول أمي : إني صعبة بعض الشيء .. ضحكت وقلت لها : خذي وقتك يا ابنة عمي .. أما زلنا أولاد عم ..
ضحكت وردت بسرعة : نعم هذا سرنا ، هيا بنا لنلحق بالأهل سيبحثون عنك ، فأنت نجم الموسم .
مضى علي شهر كامل وأنا بين الأهل .. لم أشعر بمرور الوقت ، وطوال هذه المدة كنت أدعو الله أن لا يتصل أبي بهم حتى لا يشعر أحد بما أخفيه وأعانيه .. ما عدا سلمى التي حافظت على وعدها لي ، لم أكن مستعداً لأن أخسر حبهم لي وثقتهم بي .
في إحدى الليالي كان السهر يجمعنا أنا وعمي وعمتي ، طلب عمي من سلمى أن تعد لنا القهوة .. ثم استدارت عمتي وسألتني فجأة: ألن تتزوج ؟ ضحك عمي من سؤالها وقال يا سهيلة هل تريدين أن تزوجي يوسف .. ردت عمتي باللغة العربية : نعم أريده أن يتزوج من بنات بلدنا حتى لا يضيع كما ضاع والده .. جاءت سلمى وكانت قد سمعت طرفاً من الحديث فردت : عمتي غير معقول .. إنه مختلف عن شباب بلدنا .. فهو سيتزوج بطريقته الخاصة .. أجابتها عمتي : سلمى إنه المسلم .. فلم لا يتزوج منا : أقصد واحدة مسلمة . ثم توقفت فجأة ونظرت إلى سلمى وقالت : سلمى ما رأيك بيوسف ؟ تلعثمت سلمى وقالت : ماذا تقصدين ؟ التفتت عمتي لعمي وقالت : خالد ما رأيك أن نزوج سلمى ليوسف؟
ارتبكت سلمى وبان عليها الاضطراب والخجل وقالت هامسة : عمتي لا يجوز أن .. قاطعتها عمتي وقالت بهمس أشد : ما بك يا سلمى فهو لا يفهم حديثنا .. نحن نتكلم باللغة العربية وهو لا يعرفها !!
- أرجوك عمتي ..
تنهد عمي وقال : إنها فكرة جيدة وسيرحب بها أخي بالتأكيد .. ضحكت عمتي وقالت : إذن لم يبق سوى العريس ثم سنبلغ والده .
بان الذعر في عيني سلمى وقالت : لا يا عمتي توقفي عن هذا المزاح.. رد عليها عمي وقال : ولم لا يا سلمى ؟ أنت فتاة ناضجة ومتفهمة وطوال عمرك تحلمين بالسفر لإكمال دراستك في أمريكا ..
- ولكن ليس بهذه الطريقة ..
- وهل هناك طريقة أفضل .. تتزوجين يوسف وتذهبين لإكمال مشوار دراستك ثم تعودان معاً لخدمة البلد أفضل من أن يتزوج أمريكية تجبره على المعيشة هناك ، حتى لو كانت مسلمة لن تهجر موطنها .. لن يعود أبداً سنخسره كما خسرنا أباه ..
قامت سلمى وقالت : كفى يا أبي ، عمتي افترضت افتراضاً وأنت صدقته .. أنا إنسانة لها عزة نفس ، كيف تريدون أن تفرضوني على يوسف حتى يعود لم يوسف بدلا ًمن أخيكم الذي ضاع .. ألم تفكروا بمشاعري .. بكرامتي .. ثم خرجت من الحديقة وهي تبكي ..
- لا حول ولا قوة إلا بالله .. لم نقصد إيذاء مشاعرها يا خالد .
- عمتي لماذا خرجت سلمى وهي تبكي .. " سألت عمتي ببراءة مصطنعة وكأني لم أفهم شيئاً "
- لا شيء يا يوسف لا شيء .. إنها حساسة بعض الشيء . والآن أستأذن لقد تأخر الوقت .
- عمتي سأمشي معك .
- يا حبيبي هل تريد أن توصيلي .. لقد تأقلمت مع أهل البلد بشكل رائع .. خالد لم يهن على يوسف أن أمشي وحدي بالليل .
ربت عمي على كتفي وقال : بك الكثير من والدك .
شعرت بوخز في قلبي " أبي " يا ليته كان معي .. يا ليته يسمع .. خرجنا أنا وعمتي وكانت النسائم رقيقة محملة بشذى الزهور ..
- عمتي هل حقاً تريدين أن أتزوج من فتاة عربية .
- ردت بلهفة : نعم يا حبيبي والله لو عندي بنت لزوجتك إياها ..
- ولكنك لا تعرفين شيئاً عني يا عمتي .
- الذي أعرفه يكفيني .. أنت ابن أحمد الراوي .. ويكفي أنك مسلم حقيقي .
- ماذا تقصدين يا عمتي ؟
- يوسف ، أنا قضيت خمسة وعشرين عاماً مدرسة .. يعني تخرج على يدي أجيال وأجيال ، ولي خبرة طويلة بالناس ومعادنهم .. وصدقني هناك مئات من شباب البلد ولكن للأسف لا يملكون الوعي الذي تتمتع أنت به .. يا حبيبي ، أنت لم ترث الإسلام كما يرثه البعض اسماً فقط ولكنك بحثت عن الحقيقة واقتنعت بها .. وهذا يدل على جوهرك وفطرتك السليمة ، وأخاف عليك يا ولدي إذا ارتبطت بفتاة من مجتمعك أن يطغى حبها عليك وتجذبك إلى القاع مرة أخرى .. فالمرأة يا بني تسمو بالرجل نحو السماء أو تقذف به إلى القاع .. المرأة في أكثر الأحيان هي الاختبار الحقيقي للرجل .
- كما حصل مع أبي .
- لا ألوم أمك .. فهي لم تختر ، ولا ألوم أباك أيضاً فالحب قضاء وقدر ، وزواجهما قضاء وقدر ، وقد كنت دائماً أتحسر على أخي وعلى حظه العاثر حتى تعرفت عليك فعلمت أن وراء كل شيء حكمة ، فلقد كان مقدراً لهما أن يتزوجا لتأت أنت إلى الدنيا يا يوسف ، فأنت أجمل هدية الله لأبيك ، سيعوضه الله بك عن كل ما رآه من عذاب .. احتضنتني عمتي وهي تبكي وتقول : الحمد لله دائماً وأبداً .. شعرت أني أذوب في أحضان عمتي وأتلاشى مع صدى كلامها . أعتز بحبها وثقتها .. وترقرقت الدموع في عيني فمسحتها بيدها وقالت : لا تبك يا يوسف نحن نحبك وحتى والدك ، ستبقى دائماً في قلبه حتى لو عشت بعيداً عنه .
قبلت يدي عمتي وعدت أدراجي وأنا أحمد الله على نعمه .. لقد نجحت بعدة امتحانات وثقتي بالله عظيمة .. سأبقى أدعوه دائماً ليحفظني ولا أتوه مرة أخرى عن الطريق القويم .
عدت إلى المنزل فوجدته غارقاً في الظلام ، يبدو أن الجميع أخلدوا إلى النوم .. جلست في الحديقة وأنا استرجع الحوار الذي دار مع عمتي وسلمى ، وتذكرت دموع سلمى .. هل بكت لأن مشاعرها جرحت لأنها تعرف حقيقي ؟ أم لأنها تكره مجرد فكرة أن تكون زوجتي ؟ ما بالي أفكر بها كثيراً وكأنها أول امرأة في حياتي .. فعلاً .. وتذكرت شعرها الفاحم كالليل . تمنيت أن أملك هذا الشعر أن يكون لي لوحدي أنا .. أسهر معه .. أسهر خلاله.. أناجيه وأناجي صاحبته .. نعم أنا بحاجة لامرأة وليست أي امرأة إنني أريد سلمى لأكمل مشوار حياتي الذي اخترته. صعدت على السلالم وطرقت باب حجرتها بهدوء وخيل لي أن مصباح سريرها ما زال مضاءً سمعت صوتها : من ؟
- أنا يوسف يا سلمى ؟
مرت دقائق قبل أن تفتح باب غرفتها قليلاًً وتقول: يوسف ماذا هناك ؟ أجبتها : اريد أن أحادثك بأمر هام ..
- انتظر حتى الصباح.
- لا .. الليلة ثم إنه سر بيننا لا أريد أن أطلع أحداً غيرك ..
سكتت للحظات ثم قالت : انزل إلى الحديقة وسألحق بك ..
نزلت إلى الحديقة وجلست على أحد مقاعد القش انتظرها.. وشعرت أن الدقائق طويلة جداً .. قبل أن أراها تهبط السلالم .. وقفت بالقرب من حاجز السلم وقالت : ماذا هناك !
- تعلمين جيداً أني أحب أكون صريحا ًمعك أنت بالذات .. لذلك سأخبرك بأمر أخفيه عنك .. ولكن قبل أن أتكلم أريد أن أسألك سؤالاً أجيبني عليه بصراحة أرجوك .
- ما بك يا يوسف لقد أقلقتني .
- سلمى ما رأيك بي ؟
لم ترد علي .. أعدت السؤال بإصرار : ما رأيك بي؟
- كإنسان أنت مسلم جيد أتمنى لك مزيداً من التوفيق في الحق ،كابن عم أرجو أن تزول ما بينك وبين عمي من خلافات وأن تعودا أباً وابناً.
قلت لها كرجل .. تلعثمت .. ماذا تقصد ؟
- اقصد مافهمتِه تماماً.
- استدارت وقالت : يبدو أن عمتي لم تقصر وفاتحتك بالموضوع .. لن أسامحها أبداً.
- عمتي لا دخل لها بالذي يدور بيننا .
- إذن .. نهضت من مقعدي واقتربت منها وقلت : إذن هذا مني أنا ، سلمى أنا معجب بك إمرأة أشعر بكيانها وبقلبها وأحب أن أكون جزءاً من عالمها .ز كما أريدها أن تصبح جزءاً من عالمي .
احمر وجهها وردت : لا يجوز أن نتكلم هكذا .
- أعرف ولكن افهمي طبيعتي لا أريد أن أفرض نفسي على امرأة لا تحبني .. لا أريد أن أتكلم مع عمي بهذا الموضوع وأنا لا أعلم يقيناً إن كنت ترغبين بي وخصوصاً أنك تعرفين الحقيقة .. حقيقتي . لم ترد .
- سلمى الحقيقة هي التي تقف حائلاً بيننا .. جسر لن اجتازه للوصول إليك .. أجيبيني من فضلك . لم تجب.
- إذاً لو كنت ابن أحمد الراوي حقاً لأجبت .. وإذا لم أكن .. فالصمت خير لك من جرحي .
- اتجهت بهدوء نحو السلالم وقالت : ليس عندي إجابة لسؤالك يا يوسف.
- انتظري لم أكمل كلامي .. إذن كلامك عني اليوم ورفضك إياي أمام الجميع كان حقيقة .
توقفت لي بغموض وقالت : وكيف عرفت أنا كنا نتكلم عنك ما دامت عمتي لم تخبرك ؟
تلعثمت وقلت لها : هذا ما أخفيه إنني أفهم العربية .
- يبدو لي أنك تخفي الكثير يا يوسف .. يبدو أنك لست موضع ثقة .. أضف لمعلوماتك ثورتي لم تكن بسببك أنت كشخص فقط ولكن بسبب الأسلوب .. أنا لا أريد أن أكون نوعاً من الأغلال التي يريدون تطويقك بها حتى لا تضيع كما ضاع والدك .
- سلمى لم تكوني أغلالاً ابداً لقد أختارك قلبي قبل أن يختارك الجميع .
- أسفة .. صعدت ولم تنظر لي .. وأغلقت بابها . أحسست بضيق في صدري .. هل كنت مخطئاً بمشاعري .. هل تسرعت .. لست بوضع يؤهلني لأكسب الكثير .. يكفي ما نلته حتى الآن .. يجب أن أعود .. لقد خسرت قلبي ولا أريد أن أخسر مكانتي في قلوب الآخري
سألني أحمد من هو الدكتور أسامة السالم؟
- من أين أتيت بهذا الاسم؟
- لقد رأيته على ورقة بجانب حقيبتك أمس وفيه رقم هاتف.
- نعم لقد تذكرت.. إنه جاري في الرحلة من أمريكا.. طبيب كان يدرس هناك وعاد إلى الوطن .. ولقد أراد أن أزوره .. إذا سنحت لي الفرصة .
- اتصل به اليوم . ليس عندنا شيء محدد ..
- لم لا .. ((وكنت أشعر بضيق في صدري وقلت في نفسي : الخروج اليوم قد يجعلني أرتاح وخصوصاً أني سأبتعد عـن سلمى )).
اتصلت بالدكتور أسامة ورحب بي جداً ودعاني إلى منزله ، ذهبنا أنا وأحمد .
تلقاني الدكتور أسامة بترحاب ودعانا إلى شرفة منزله لننعم بنسائم لطيفة محملة بأريج الفل والياسمين الذي توزع في الأنحاء .
جاءني صوت الدكتور يسألني عن أحوالي .. فابتسمت له وأنا أشعر بشيء من الغصة وأجبته :الحمد لله .
مرت ساعتان ونحن نتبادل الأحاديث وأحسست أن أحمد قد ارتاح لأسامة وأعجب بـه ..حتى أنه دعاه لتناول طعام الغداء في بيت عمي اليوم التالي..
في طريق العودة سألني أحمد عن رأيي في أسامة فأجبته بصدق: يبدو لي أنه شخص طيب مثقف ومتميز .. تحمس أحمد وقال :علاوة على ذلك لقد عاد إلى الوطن رغم أن الفرصة أتيحت له لبقى في المهجر.. لقد أكبرت فيه ذلك كثيراً .
- نعم يا أحمد .. فعلاً فأكثر الناس يفضلون البقاء في أمريكا .
- ما رأيك يا يوسف أن نصلي بجامع جدي اليوم فنحن قريبون منه .
صلينا العصر وجلست بعد الصلاة أتأمل جدران المسجد وسقـفه ويخيل لي أني أسمع صوت جدي يحث الناس على الجهاد ويدعو الله . سمعت أحمد يعيدني إلى عالم الواقع وهو يقول : يوسف أين أنت .
- أنا مع جدي .
ضحك أحمد وقال : ليس لنا سوى أن ندعو له بالرحمة.
- بل بقي لنا شيء آخر يا أحمد .. أن نحتذي حذوه.
- ولكن ليس هناك استعمار يا يوسف .
- بلى هناك استعمار من نوع آخر ، استعمار عقلي ، ألم تلاحظ أن الجميع يسألني عن أمريكا .. عن الرفاهية هناك .. عن الكمال هناك .. ألم تلحظ تلهف الشباب للتعرف علي ليس لأني مسلم بل لأني أمريكي .. هذا أكبر دليل على أن العقول مستعمرة .
- لا يا يوسف إنه فقط إعجاب بالحضارة والتقدم .
- بل أكثر من الإعجاب ، إنه إنبهار أعمى يسوقكم إلى التخلي عن هويتكم الحقيقية .. لتذوبوا بحضارة أمريكا .
- لا تبالغ يا يوسف ، البعض لم يتأثر ، هذا الدكتور أسامة مثال جيد ، درس هناك ومع ذلك حافظ على هويته كمسلم ، إلى الشرق مرة أخرى ..
- الحمد لله .. واحد من مئات .
- يوسف ظننتك معجباً بنا .
- اسمع يا أحمد ، الجيل القديم متمثلاً بعمي وعمتي ، يبدو كأنهم أكثر وعياً من الجيل الحديث ، والأسوأ أن الشباب يجتاحه التيار ولا يستمع لنصح الجيل القديم ..
- لسنا بهذا السوء يا رجل إننا نصوم ونصلي ..
- ليس الإسلام عبادات وشعائر نقوم بها ، أعتقد أنه حياة متكاملة ، خذ مثلاً أنت ، إنك لم تعمل عملاً مفيداً طوال هذا الوقت الذي أمضيته معك .
- يا يوسف إني في إجازة .. ثم ماذا تريد أن أعمل ..
- لقد تمنيت أن تتردد إلى حلقة من حلقات حفظ القرآن أو حتى تقرأ ، حتى إني لم أرك تقصد المسجد إلا قليلاً .
- إني أصلي في المنزل .. ثم إني ذهبت بك إلى المساجد كثيراً يا رجل .
- وكأنها متاحف فقط ، لم اشعر بالروح فيها .. إن المسجد ليس مكان عبادة فقط ، إنه إعداد روحي جماعي بنفس الوقت ..
- أتعرف يا يوسف إنك فيلسوف تذكرني بسلمى .
أحسست بوخز في قلبي " سلمى " إنها الحلم المستحيل.. النجمة التي تبرق في العالي .. لن أصل إليها أبداً فكيف يصل إلى السماء من لا أصل له في الأرض..
- عمي لقد قررت السفر في الأسبوع القادم .
- ماذا تقول يا يوسف ، رد عمي بانزعاج.
- أريد أن أرتب أموري قبل بدء العام الدراسي فأنا انتقلت للعيش في بلدة جديدة وهناك الكثير من الأمور ما زالت معلقة .
- لقد فاجأتني يا يوسف ، ظننتك أن ستقضي معنا كل الصيف فلقد تعودنا عليك .
ابتسمت وأجبته : أود يا عمي أن أعيش معكم للأبد فأنتم الأهل الذين طالما حلمت بهم .
رد علي بحنان: وما الذي يمنعك يا يوسف .. أنت بمقام أبنائي فابق معنا .
- أشكرك يا عمي، ولكن ظروفي لا تسمح .. فأنا أريد متابعة دراستي وخدمة قضايا المسلمين ، وحتى لو كنت بعيداً عنكم فأنتم في قلبي دائماً.
دخل أحمد وهو يقول : صباح الخير يا أبي ، لقد دعوت صديق يوسف إلى الطعام اليوم يا أبي بعد إذنك.
رد عمي: هذا بيت يوسف وله أن يدعو من يشاء.
شكرت عمي وتوجهت نحو غرفتي ، تمددت على السرير وأنا أفكر في بسلمى .. لقد تحاشتني خلال اليومين السابقين..لم أستطع أن أرى ما في عيونها.. لم أستطع أن أقرأ ما يجول بخاطرها.. يبدو أنها النهاية ، طريق مسدود ، مشاعر لم أحسب لها حساباً..
جاء الدكتور أسامة وتناول الغداء معنا .. جلسنا في الحديقة ومضى يتحدث بحماسة عن مشروعه وحلمه بإقامة مركز طبي لجراحة القلب.. ولقد شاركه أحمد وعمي حماسته وحديثه .. وأنا بدأت الأفكار تأخذني بعيداً عنهم .. ومضيت أقول في نفسي ما هي إلا أيام قلائل يا سلمى وستفصلني عنك أميال و أميال .. ولن تحتاجي للهروب .. أفقت على صوت الباب الخارجي يفتح ودلفت سلمى .. فقال أحمد : سلمى هناك ضيوف معنا .. فألقت سلمى السلام وسارعت إلى الداخل وهي تتعثر بحيائها .. كم سأفتقدها ..
سمعت صوت الدكتور أسامة يقول : ما رأيك بنزهة على الأقدام .. وافقته وأنا أتمنى أن تأخذني الرحلة بعيداً .
بدا الجو لطيفاً .. بعض النسائم المنعشة المحملة بشذى الزهور تهب .. وترحل .. تحملني معها إلى آفاق جديدة .. ومضيت أفكر بوالدي .. كم تألمت بسببه .. كم خسرت بسببه والآن ضم لغنائمه مكسباً جديداً، لقد خسرت قلبي بسببه هل أحمله ذنب ما أعاني.. استعذت بالله.. لا ليس أبي إنه قضاء وقدر.. أفقت من شرودي على صوت أسامة يسألني : هل سلمى ابنة عمك؟ أجبته : نعم ، قال : وما رأيك فيها؟ نظرت إليه بدهشة وقلت : رأيي أنا .. همهم بغموض: نعم فأنت عقلاني جداً وتستطيع الحكم على الشخصية .. المضمون .. أكيد دارت بينكما حوارات ثقافية .. أعني هل هي مهتمة بهذه الأمور أم أنها كباقي الفتيات..
- ماذا تقصد كالبقية ؟
- أقصد النوذج الشائع هنا أو في أمريكا .. سيان .. فتيات " الموضة ".."المكياج"..اهتمامهن محصور بالأمور التافهة فقط.
- لا لا سلمى مختلفة.. شخصيتها قوية وجريئة وفي نفس الوقت عندها حياء المسلمة المعتزة بإسلامها.
- جيد جداً.. أهنئك بأقاربك يا يوسف مع أنك لم تخبرني عنهم في الطائرة .
- اعذرني إنها المرة الأولى التي أزورهم بها، ولم أتوقع منهم هذه الحفاوة.
ضحك أسامة وقال: إنها عائلة أصيلة وكريمة .. ألم يخبروك عن جدك؟
- ى وأنا فخور به وببطولاته .
- وأنا سعيد بالتعرف عليكم .
لم يمض يومان حتى فاجأني أحمد أن الدكتور أسامة اتصل اليوم وطلب موعداً عائلياً ..
- ما الذي تقصده بموعد عائلي ؟
ضحك بخبث وقال : يبدو أنه أعجب بسلمى .. لأن والدته ستأتي للتعرف عليها.
شعرت بوخز في صدري .. إذن هذا هو سر اهتمامه .. يريد أن يتزوج.
- سلمى إنسانة ممتازة تستحق الخير .. قلت : هذه الجملة وأنا أنسحب من الحديقة إلى غرفتي لأجلس وحيداً مع أحزاني . سمعت طرقاً على باب غرفتي .. قلت تفضل .. دخلت سلمى وهي تحمل بعضاً من حاجياتي .
- هذه ملابسك لقد قمت بكيها لك .
- شكراً.
- يوسف .. هل صحيح أنك ستسافر بعد يومين.
- نعم .
استدارت نحو الباب وخرجت بهدوء وكأنما ليست هي التي تسكن حيالي.. ليست هي سبب أحزاني الجديدة.. ضحكت بصوت مرتفع من نفسي أنا الأمريكي .. المفروض أن أكون قوياً خالياً من المشاعر ، متماسكاً.. يجب أن لا تجرفني المشاعر والعواطف .. ومع ذلك أشعر بغصة في حلقي .. وبجرح في قلبي .. ولهيب في صدري .. سأنساها .. سأطوي قلبي على ذكراها .. وسيذوب طيفها مع الأيام مثلما ذابت الكثير من الأحلام.
في المساء طلب مني عمي تأجيل السفر وقال ضاحكاً : قد يكون فرح قريب في العائلة ونتمنى أن تشاركنا الفرح .
- شكراً يا عمي .. يجب أن أذهب .
وفعلاً حانت ساعة الوداع .. كنت أنظر من النافذة والسيارة تقطع الضواحي في اتجاه المطار .. وأشعر أني أسجل كل ما أراه في مخيلتي .. أحفره في قلبي .. الشوارع القديمة .. الوجوه المنهكة .. المآذن الشامخة .. وعبير الياسمين أريد أستنشقه وأحبسه داخل صدري ولا يغادرني أبداً .. أغمضت عيني لأرى صورة حبيسة في مخيلتي .. صورة لفتاة خجولة تبتسم .. تبكي .. لا أدري .. في داخلي سكنت مع كل الذكريات الحبيبة عن موطني .
قبلتني عمتي وهي تبكي وعمي صافحاني مودعاً .. الجميع تركتهم ورائي .. وفي الطائرة جلست أتذ