السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم.. إنه الألم.. ذلك الشعور الذي يخنقك حتى لا تكاد معه الحراك.. وتتلذذ النفس حينها بالصمت القاتل..
الصمت الذي يكون ملجأ للهروب من ذلك الشعور الذي يتسلل إلى القلب مثل دبيب النمل..
إنها زفرات يفعمها القلب المكلوم.. الذي تثاقلته فتن الحياة المريرة..
إنها هواجس نفس تترامى.. وخلجات فؤاد يتهاوى.. بين الأمل المشرق واليأس المطبق..
فتقف النفس في حيرةٍ.. هل تبدي حزناً أم تجعله دفين القلوب.. وتصمت ليكون أساها حبيس السطور..
إنه القلب الضرير الذي يشكو من ضيق حاله.. وتعاسة مآله..
فماذا يجدي معك يا حزن؟!
لماذا يا حزن تروي قلوبنا بمائك العليل؟!
لماذا تأسرنا بعذب زلالك السقيم؟!
لماذا تجسد في أعيننا آهاتك الحّرة؟!
لماذا تروي عبر أطيافك أفئدتنا الكليلة؟!
وتدوي في نسمات الليل الذي هجع فيه المنهكون.. واطمأن فيه الخائفون.. وفيك نفكر ماذا يجدي معك؟!
رويدك.. نعم إياك أعني.. أيها الحزن المستديم..
فبأي حق تحزن أنفسنا قهرا دون أن تواسيها..؟
ولأي أمر تٌدمع أعيننا قصراً دون أن تداويها..؟
ولمَ تٌضيق صدورنا كمداً دون حلاً لمساويها..؟
ويحك ألم تسمع بقوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}؟!
فهذه الدنيا امتحان وابتلاء حتى يميز الله الخبيث من الطيب..
كفى أيها الحزن المتأجج برياح اليأس المنهِِِكة!
كفى أيها الحزن فإن الأمر اختبار وجزاء.. أو تكفير لذنب لا هوادة فيه..
فالشكوى لرب العباد.. والنجوى للذي أرسى الشوامخ الأوتاد..
فإن الله تبارك وتعالى مقدر أمره.. ولا راد لحكمه؛ فإما صبر واحتساب، قال تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.. وإما جزع واعتراض فالعاقبة تمام الخسران..
ولعلك تعلم أن من الحزن ما هو محمود، وهو الذي يحصل من فوات طاعة، أو وقوع في معصية، أو تقصير المرء في حق مولاه..
ويبقى الحزن مصلا ساما للروح يورثها الفتور والحيرة.. فتنطفئ مباهج الجمال في عينيّ المحزون.. فيشرب من كأس الشؤم.. ولا يرى إلا الظلمة والجبن.. ولا يشعر إلا بالندم والهم..
تراه مجروح النفس، غض الطرف، كليل الفؤاد، وتصبح الحياة في ناظريه مملة ورتيبة..
فتمهل أيها المحزون.. فإن الحزن لا يرد مفقودا.. ولا يبعث ميتا.. ولا يرد قدرا.. ولا يجلب نفعا..
فاسلُ في الحياة وارض بما فيها.. ويكفيك من البشرى ما جاء في حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه"
ولك في الدعاء خير ملجأ.. فابتسم ولو تجرعت العلقما..
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن.. اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح شأننا كله.. واجعل القران العظيم ربيع قلوبنا.. ونور صدورنا .. وجلاء أحزاننا وهمومنا..